الوصية – محمد نور

أمينة، المعلمة المتقاعدة ذات الاثنين وسبعين عاماً، تم تشخيصها بمرض ألزهايمر في مرحلة متقدمة.

ألقى طبيب الأعصاب الخبر وكأنه يقرأ تقريراً روتينياً، وإحدى يديه تمتد بالفعل إلى ملف المريض التالي.

كانت كريمة تعيش حينها في مدينة أخرى، تعمل في نوبات ليلية مرهقة في قسم الطوارئ بالمستشفى العام.

كانت تملك شقة صغيرة من غرفة واحدة وقطة تبنتها—حياة بسيطة ولكنها كانت ملكها بالكامل.

تخلت عن كل ذلك في ثلاثة أيام فقط؛ وجدت مستأجراً لشقتها، وحزمت حقيبتين، وقادت سيارتها لعدة ساعات عائدة إلى منزل طفولتها.

عندما وصلت، كانت والدتها تقف في المطبخ معطفاً شتوياً ثقيلاً في منتصف شهر تموز/يوليو، تحاول تسخين علبة معدنية من الحساء داخل الميكروويف!

وكان والدها، الحاج توفيق، يجلس على الطاولة يحدق في العلبة بعينين متعبتين ومحمرتين من السهر.

“لقد جئت يا أبي،” قالتها كريمة يومها، ومن تلك اللحظة بدأت رحلة سهرها ورعايتها الطويلة.

كانت السنة الأولى مقبولة، مجرد نسيان بسيط، ولكن بحلول السنة الثانية، توقفت الأم عن التعرف على الجيران وبدأت تهيم على وجهها في أزقة الحي ليلاً.

ركبت كريمة أقفالاً وإنذارات جديدة، وتعلمت كيف تنام بعين واحدة مفتوحة، تستمع لأي خطوة وهمية في الممر.

وبحلول السنة الثالثة، توقفت الأم عن التعرف على كريمة تماماً، وكانت تصرخ في وجهها وكأنها غريبة شريرة!

“أنا هنا لأساعدكِ اليوم فقط،” كانت كريمة تقول لها بصوت خفيض، بعد أن تعلمت ألا تجادل عقلاً يغيب بالتدريج.

كان رشيد يتصل مرة واحدة في الشهر من العاصمة، يقدم تعاطفاً زائفاً حول مدى صعوبة الأمر، بينما يتقاضى مئات الدنانير عن كل ساعة في شركته.

أما دلال أرسلت شيكين فقط طوال خمس سنوات، استخدمتهما كريمة لشراء المستلزمات الطبية والأدوية الباهظة الثمن.

وعندما توفيت الأم بسلام في يوم ثلاثاء من شهر آذار/مارس، وصفت ممرضة الرعاية الأمر بالهدوء والس\كينة، رغم أن كريمة لم تعد تعرف للس\كينة معنى.

بعد أربعة أشهر، رحل الحاج توفيق أيضاً؛ إثر سكتة دماغية مفاجئة وحادة.

عثرت عليه كريمة على أرضية المستودع في شارع المشاتل، سقط بجوار طاولة عمله القديمة ونشارة الخشب لا تزال تكسو قميصه.

حضر رشيد ودلال للجنازة، ارتديا ملابس سوداء فاخرة، بكيا، وصافحا الجيران، ثم غادرا خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *