الوصية – محمد نور
كشف أبو أحمد أيضاً أن الحاج توفيق ترك ظرفاً مغلقاً في خزينة المحل، يحتوي على وصية قانونية محصنة ورسائل لأبنائه.
وعندما عاد رشيد ودلال بعد بضعة أيام للمطالبة بتقسيم القيمة غير المتوقعة للمستودع، أخذتهما كريمة إلى الغرفة السرية.
هدد رشيد على الفور باللجوء للقضاء، مدعياً أن والدهما كان مشوشاً وغير أهلم عندما اتخذ هذه القرارات.
ورداً على ذلك، وضعت كريمة رسالة والدهم الأخيرة لهم على الطاولة، والتي قرأتها دلال بصوت مرتفع ووجه شاحب.
شرحت الرسالة بالتفصيل كيف كان والدها يراقب سنوات إهمالهما، مسجلاً كل مكالمة فائتة وشيك زائف.
وجاء في الرسالة: “آل البيت لـ رشيد لأنه يبحث عن الوجاهة؛ وآلت المدخرات لـ دلال لأنها تبحث عن المال؛ أما المستودع فكان لـ كريمة لأنها الوحيدة التي ستدخل إلى الداخل وتنظر بقلبها.”
مذهولين بالوثيقة القانونية المحصنة، ومكسورين بالحقيقة العارية لكلمات والدهما، تلاشت الموجة الغاضبة من رشيد.
اعترف رشيد بصوت خفيض قبل أن يغادر المكتب مهزوماً ومغموماً: “كان عليّ أن أعود إلى البيت..”
أما دلال فبكت في صمت، بعد أن أدركت أن والدهما رأى حقيقتهما تماماً، ومع ذلك أنهى رسالته بعبارات المحبة.
بعد ستة أشهر، انتقلت كريمة إلى بيت صغير جميل في الطرف الغربي من المدينة، مجهز بالكامل بقطع أثاث والدها الرائعة.
وحولت المستودع القديم في شارع المشاتل إلى “ورشة الحاج توفيق”، لتعليم فنون النجارة والتصميم مجاناً لأبناء المنطقة.
وفي أحد أيام الخريف، دخلت الورشة فتاة شابة كانت قد خرجت للتو من تجربة زواج قاسية ومؤلمة، تبحث عن ملاذ هادئ.
قالت لها كريمة: “ادخلي، وابدئي بتركيب وصلات الخشب أولاً.. فكل شيء جميل يكتمل ويبدأ من هنا.”
ومع مرور السنين، وجدت كريمة الس\كينة، وهي تعلم أن العائلة لا تولد دائماً من رحم الدم؛ بل تأتي أحياناً متعبة ومغبرة بالجهد، تطرق الباب عند الغروب.
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد