الظابط كبل أب قدام بنته
الظابط كبّل أب قدام بنته… وبادج واحدة خلّت المطعم كله يسكت
الظابط محمود الشامي ماكانش مستني حتى إن حسام عبدالسلام ياخد اللقمة التانية من فطاره، قبل ما يمسك إيده ويلويها لورا ويكبّلها بالكلابشات.
بنته الصغيرة ملك صرخت من الخضة
بابااا!
وفجأة، مطعم أبو محمود على الطريق الزراعي، اللي كان مليان دوشة وكلام وضحك، سكت تمامًا.
الملاعق وقفت في إيد أصحابها.
والناس كلها بصّت ناحية الترابيزة اللي في الركن.
حسام كان قاعد في هدوء، قدامه طبق بيض وجبنة وعيش محمص، وكوباية شاي لسه سخنة وبخارها طالع.
ملك، اللي عندها تمن سنين، كانت بتقطّع البان كيك بالعسل حتت صغيرة وهي مبسوطة.
لحد ما الظابط محمود الشامي مسك أبوها من دراعه بعنف وقال بصوت سمعه كل اللي في المكان
إنت مقبوض عليك.
الشوكة وقعت من إيد ملك.
بابا…!
حسام شد على سنانه، لكنه فضل ثابت.
ملك، حبيبتي… بصّيلي.
دموعها كانت نازلة على خدودها.
هو ليه بياخدوك يا بابا؟
حسام حاول يبتسم، رغم إن الحديد كان غارس في إيديه.
حصل سوء تفاهم بس.
الظابط ضحك بسخرية.
سوء تفاهم؟!
وشد حسام من دراعه عشان يوقفه.
إنت اتشوفت امبارح بالليل حوالين مخزن ممنوع حد يقرب منه. دخلت في شغل الشرطة، ورفضت تقول إنت مين… ودلوقتي عايز تقنعني إنك أب غلبان جاي يفطر مع بنته؟
حسام رفع عينه وبصله بهدوء.
أنا قلتلك نتكلم بعيد عن الناس.
وأنا قلتلك مفيش كلام.
الظابط محمود كان حوالي خمسة وخمسين سنة، جسمه ضخم، وشعره ابتدى يشيب عند الجانبين. وكان داخل المكان بثقة واحد متعود إن الناس تفتحله الطريق أول ما تشوفه.
حسام كان قابل النوع ده كتير قبل كده.
في رجالة معاها سلاح.
وفي رجالة معاها سلطة.
لكن أخطر نوع…
اللي بيجمع الاتنين.
حسام قال بصوت واطي
بنتي مالهاش ذنب في اللي بيحصل ده.
الظابط قرب منه وقال بسخرية
كان لازم تفكر في بنتك قبل ما تتدخل في أماكن ملكش دعوة بيها.
للحظة، نظرة حسام اتغيرت.
لكن ما ردش.
سكوته ماكانش خوف.
كان تدريب.
على ترابيزة قريبة، كان واقف أمين الشرطة ياسر حسن، شاب في منتصف التلاتينات تقريبًا. ومن أول ما دخل المطعم كان حسام واخد باله من صورة صغيرة لولدين حاططها أمين الشرطة ورا كارنيه الشغل.
دلوقتي ياسر كان باصص لملك، ومش مرتاح للمشهد.
قال بحذر
يا باشا… يمكن ناخده بره أحسن.
الظابط لف له بعصبية.
إنت بتراجعني؟
لا يا باشا، بس البنت…
البنت هتستحمل.
ملك اتنفضت من مكانها.
وحسام شاف ده.
هو ما اتحركش.
بس جواه حاجة اتكسرت.
من ست شهور بس، كان واقف في مستشفى وبيشوف مراته سارة وهي بتموت قدام عينه بسبب نزيف مفاجئ في المخ.
مفيش مقدمات.
مفيش وقت حتى يستوعب.
الصبح كانت بتضحك عليه عشان حرق العيش.
وبالليل كان واقف قدام دكتور بيشرحله إنهم عملوا كل اللي يقدروا عليه.
بعد الجنازة، حسام اكتشف إن الحزن مش دايمًا بييجي في شكل صراخ وبكاء.
أوقات بييجي في حاجات بسيطة جدًا.
مج سارة اللي لسه مكانه في المطبخ.
الهدوم اللي لسه معلقة ورا باب الأوضة.
فرشة أسنانها اللي ملك رفضت إنه يرميها.
والنص الفاضي من السرير.
حسام قضى سنين طويلة شغال في جهاز أمني، واتعود على الضغط والخطر.
دخل مهمات فيها سلاح.
واجه مجرمين مسلحين.
قعد قدام ناس كانت بتأمر بجرائم قتل، وهي قاعدة قدامه بكل برود.
لكن ولا حاجة من دي علّمته إزاي يبقى أب وأم في نفس الوقت.
إزاي يصحى بدري يعمل لبنته سندوتشات.
إزاي يربط لها شعرها.
وأول مرة حاول يعملها ضفيرة، ملك بصت لنفسها في المراية وقالتله
بابا… أنا شكلي كأني خناقت مع مروحة سقف!
ضحك وقتها لأول مرة من أسابيع.
وبعدين الاتنين عيطوا.
ومن يوم وفاة سارة، حسام قطع على نفسه وعد واحد بس.
ملك عمرها ما هتبات وهي خايفة.
ومهما حصل…
هو لازم يرجعلها.
وعشان كده، الكلابشات اللي في إيده كانت مخوفاه أكتر من أي مسدس شافه في حياته.
مش عشان كان خايف من الظابط محمود.
لكن عشان ملك كانت خايفة.
بابا…
صوتها رجّعه للواقع.
حسام لف على قد ما يقدر.
فاكرة ماما كانت بتقول إيه لما حاجة تخوفنا؟
ملك مسحت دموعها بإيدها.
كانت بتقول إن الخوف مش معناه إننا جبنا.
أيوه يا حبيبتي.
بس هما بياخدوك.
حسام بلع غصته.
عارف.
طب لو… لو ما رجعتش؟
قلبه اتقبض.
لكنه قرب منها على قد ما الكلابشات سمحت وقال
هرجعلك.
الظابط شد دراعه.
خلصنا بقى.
حسام ما اتحركش.
لأول مرة، وقف في مكانه ورفض يمشي.
مش بعنف.
ومش مقاومة.
بس وقفة راجل قرر إن في حاجة أهم من خوفه.
بص للظابط وقال بهدوء
تقدر تقبض عليا. تقدر تذلني قدام الناس. لكن مش هتاخد مني عشر ثواني أودّع بنتي.
المطعم كله سكت.
الظابط بصله بحدة.
وبعدين قال
عشر ثواني.
حسام نزل لمستوى ملك على قد ما قدر، رغم إن إيديه متكبلة ورا ضهره.
ملك جريت عليه وحاوطت رقبته بإيديها.
اسمعيني كويس يا حبيبتي…
دفنت وشها في كتفه.
طنط عبير صاحبة المطعم هتتصل بخالتك نجلاء. هتروحي عندها، وهتروحي المدرسة متأخر النهارده. وأنا عايزك تبقي شاطرة وقوية.
ملك هزت راسها وهي بتعيط.
أنا مش عايزة طنط نجلاء… أنا عايزاك إنت.
حسام غمض عينه للحظة.
عارف يا روح بابا.
ملك رفعت وشها وبصتله وسط دموعها.
وبعدين قالت السؤال اللي خلّى حسام لأول مرة يحس إن السر اللي مخبيه سنين ممكن ينكشف قدام الناس كلها
طب ليه ما تقولهمش إنت مين؟
حسام سكت.
عينيه راحت ناحية الظابط.
وبعدين ناحية ملك.
ولو كان قال جملة واحدة بس…
كان كل اللي في المطعم هيعرف إن الراجل اللي متكلبش قدامهم مش مجرد أب أرمل اتقبض عليه…
وإن البادج اللي مخبيها تحت هدومه ممكن تقلب الموقف كله في ثواني.
الفصل الثاني البادج الذي أوقف الأنفاس
عشر ثوانٍ انقضت كأنها الدهر.
سحب الظابط محمود الشامي حسام بقوة أكبر، وكأنما أراد أن يثبت لنفسه قبل لغيره أنه السيد المطلق في هذا المكان. صوت اصطدام الحديد بمعصم حسام تردد بوضوح في المطعم الذي غرق في صمت مطبق.
خلصنا المزاد يا شاطر، قدامي على العربيات!
صاحت ملك صرخة جديدة هزت أركان المكان، وجرت خلفه محاولة الإمساك بطرف جاكت أبيها، لكن أمين الشرطة ياسر حسن تحرك بسرعة، وانحنى ليمسك بيد الطفلة برفق شديد، منعها من السقوط على الأرض.
استني يا حبيبتي… عيب يا ملك، بابا راجع اهدي بس.
كان ياسر ينطق الكلمات وعيناه تمتلئان بالتعاطف والحيرة. لقد رأى مئات المجرمين والمشبوهين، وخدم في جهاز الشرطة لأكثر من عشر سنوات، لكنه لم يرو قط نظرة هادئة ومرعبة مثل تلك التي كان يحملها هذا الأبي الأرمل. لم تكن نظرة استسلام؛ بل كانت نظرة رجل يدرس الخيارات الأخيرة المتاحة أمامه.
اتجه حسام نحو باب المطعم، لكنه قبل أن يتخطى العتبة بقليل، توقف فجأة وتسمر في مكانه بقدمين راسختين كالجبال. حاول الظابط محمود دفعه، لكن حسام لم يتحرك بوصة واحدة وكأن قدميه غُرستا في الأسفلت.
بقولك قدامي! إنت اتجننت؟! هتتحرك ولا أزودك تهمة مقاومة سلطات؟
التفت حسام ببطء شديد، ورغم
لمحة نيوز