الظابط كبل أب قدام بنته
أن يديه كانتا مقيدتين خلف ظهره، إلا أن استقامة قامته ونظرة عينيه الحادتين جعْلتا الظابط محمود يتراجع خطوة للوراء بلا إرادة منه، وكأن شبحاً هائلاً ظهر فجأة أمامه.
قال حسام بصوت هادئ، منخفض، لكنه اخترق جدران المطعم ووصل لكل أذن
أنا صبرت عليك كتير يا محمود… احتراماً للبدلة اللي لابسا، ومش عشان خايف منك.
ضحك الظابط بصوت عالٍ محاولاً استعادة هيبته المهدورة وسط الحاضرين
بدلة؟! بتقول إيه يا روح أمك؟! ده إنت مجرد فأر اتمسكايمبارح حوالين مخزن سري، ودلوقتي بتعمل فيها بطل قدام بنتك؟!
المخزن السري؟
ابتسم حسام ابتسامة باردة جعلت ملامحه تزداد قسوة.
المخزن اللي بتقول عليه ده، أنا اللي اشرفت على تأمينه وتصميمه بنفسي من سنتين، لما كنت إنت لسه نايم في مكتبك المكيف في المديرية وبتدور على ترقية تسهل عليك تقاعدك.
عمّ صمت أغرب من الأول. حتى ملاعق الشاي توقفت عن الحركة نهائياً.
الظابط محمود قطّب جبينه بعنف، وشعر برعشة خفيفة سرت في عموده الفقري رغم أنفه. هناك شيء في نبرة الرجل، في طريقة وقوفه، في برود أعصابه… يشي بكارثة وشيكة.
إنت… إنت بتقول إيه؟ شكلك فقدت عقلك تماماً!
ملك، حبيبتي، غمضي عيونك عشر ثواني بس وادّي ظهرك لبابا… زي ما متفقين، اتفقنا؟
هزت ملك رأسها وهي تبكي بصمت، ودفنت وجهها في حضن أمين الشرطة ياسر الذي كان ينظر للمشهد بفم مفتوح.
الفصل الثالث الكشف الكبير
رفع حسام كتفه الأيمن، وبحركة سريعة ومفاجئة، مزق بأسنانه أزرار القميص الداخلي من عند الصدر، لتظهر قطعة معدنية ثقيلة، فضية اللون، تحمل شعار الدولة والجمهورية، محفورة عليها رموز وأرقام سرية لا يملكها سوى ضباط العمليات الخاصة من الرتب العالية جداً، ورتبتا اللواء وما فوقها في قطاع الأمن الوطني والاستخبارات العالية.
وتحتها تماماً… كارنيه جلدي أسود يحمل صوره الحديثة، وبجوارها الصلاحيات المطلقة مفتش قطاع العمليات الخاصة والرقابة الاستثنائية إشراف مباشر من وزير الداخلية ورئاسة الجمهورية.
لمع البادج تحت ضوء إضاءة المطعم الصفراء الباهتة وكأنه شفرة حادة.
سقطت كوباية الشاي من إيد الظابط محمود وانكسرت آلاف الشقفات على الأرض الساخنة، وتناثر الشاي في كل مكان. وجهه انقلب إلى اللون الأصفر الشاحب، ثم تحول إلى الأحمر القاتم، وفتحت عيناه على وسعهما من شدة الصدمة والرعب.
سي… س… سيادة اللواء؟!
صوت محمود خرج مرتعشاً، متقطعاً، وكأنه يصارع الاختناق.
اقترب حسام خطوة بطيئة، والكلابشات في يديه تصدر صريراً خفيفاً.
محمود باشا الشامي… خمسة وخمسين سنة، باقي لك شهرين وتطلع على المعاش، وكنت ناوي تقضيها في تأمين مصالح شوية تجار آثار ورجال أعمال فاسدين في الدلتا، صح؟
ترنح الظابط محمود للوراء وسند ظهره على الترابيزة المجاورة لدرجة أنه كاد يقع.
يا… يا فندم… أنا… أنا مكنتش أعرف… والله ما كنت أعرف إن حضرتك… المخزن كان فيه…
قاطعه حسام بصوت رعدي هز أطباق المطعم
المخزن اللي كنت حاطط عليه حراسة خاصة عشان تسرق المستندات اللي فيه قبل ما لجنة التفتيش تيجي الأسبوع الجي؟ المخزن ده أنا اللي كلفته بملف سري للغاية، وإنت بكل بساطة حبسْتني، وقبضت عليا قدام بنتي، وعملت بطل عشان ترهب الناس؟!
ارتجفت ركبتا محمود، ووقع على ركبتيه على الأرض مباشرة، أمام قدمي حسام، وسط ذهول المطعم بأكمله.
استرحمتك… ارجوك يا سيادة اللواء… بنتي… قصدي… أنا عندي عيال… الشيطان ضحك عليا…
الشياطين اللي زيك ملهمش مكان وسط جهاز الشرطة الشريف.
التفت حسام إلى أمين الشرطة ياسر، الذي كان يحمل ملك وما زال في حالة ذهول تام وكأنه يحلم.
يا ياسر.
أم… أُمرك يا سيادة اللواء! هبّ ياسر واقفاً بسرعة واهتزاز.
فك الكلابشات دي فوراً.
حااضر يا فندم، حالاً!
اقترب ياسر بيدين مرتعشتين ومعه مفتاح الكلابشات، وفتحها بسرعة فائقة. فرك حسام معصميه اللذين كانا قد احمرا بسبب الضغط العنيف، ثم التفت ونظر إلى محمود الكاقع على الأرض ذليلاً.
التليفون اللي في جيبك طلّعه.
أخرج محمود هاتفه المحمول بيدين ترتجفان بشدة ومدهما لحسام وكأنه يقدم روحه.
اخذ حسام الهاتف، وضغط بضع أزرار، وأجرى اتصالاً سريعاً
اللواء رفعت… أيوة يا فندم، أنا حسام. أنا في الكيلو سبعين على الطريق الزراعي… اطمن، ملك كويسة. ابعت لي قوة استلام حالاً من أمن الإقليم، ومعاهم أمر قبض فوري ومذكرة تفتيش لمكتب ومسكن العميد محمود الشامي، وتجميد كافة حساباته. التنفيذ خلال عشر دقايق. تمام يا فندم.
أغلق الخط، وألقى الهاتف على الأرض بجوار محمود الذي أصبح أشبه بجثة هامدة.
الفصل الرابع الوعد الأبوي
انحنى حسام على ركبتيه أمام ابنته ملك التي كانت ترتجف قليلاً من الصدمة والهلع. فتح أذرعه، وجرت الطفلة نحوه بكل ما أوتيت من قوة، وأحاطت رقبته بذراعيها الصغيرتين ودفنت وجهها في صدره وهي تبكي بمرارة وتقول
بابا… كنت خايفة أوي… كنت خايفة يا بابا!
ضمها حسام إلى صدره بقوة شديدة لدرجة أنه كاد يخفيها بين ضلوعه، وتقاطرت دموعه هو الآخر بصمت، لأول مرة منذ وفاة زوجته سارة. طبع قبلة طويلة على رأسها وقال بصوت دافئ ومؤثر
خلاص يا روح بابا… بابا هنا، ومفيش كائن على وجه الأرض يقدر يقرب منك تاني طول ما أنا عايش. أوعي تخافي أبداً.
رفعت ملك وجهها المبتل بالدموع، وبصت للرجل الواقف على الأرض في ذل، ثم بصت لأبيها وقالت ببراءة
يعني إحنا هنفطر دلوقتي؟ البان كيك برد.
ضحك حسام بصوت هادئ، وعيناه تلمعان بدموع الفرحة والارتياح، بينما بدأت سيارات الشرطة الخاصة تحيط بالمطعم من الخارج بصافراتها المدوية.
هنفطر أحلى بان كيك في الدنيا يا ملك… وبعدها هوديكي المدرسة بأحدث عربية حكومية، وكل زمايلك هيشوفوكي وأنتِ نازلة زي الأميرة.
مسح دموعها بيده، ووقف رافعاً رأسه، شامخاً، أباً حنوناً قبل أن يكون ضابطاً عظيماً، وقد نفذ وعده لملك.. . ولن تدع الخوف يطرق باب قلبها مرة أخرى أبداً.