اتصل التوأمان بالمليونير الذي كتمت خبره عنهما حين انهارت أرضًا، وانكسرت هيبته عندما نادياه: «يا أبي». أجاب المليونير على الرنة الرابعة عند الساعة 2:47 فجرًا، متوقعًا حالة طوارئ في أعماله. لكن بدلاً من ذلك، همست طفلة في الثامنة من عمرها: «أرجوك لا تُغلق الخط. أمي مستلقية على الأرض ولا تستجيب». اعتدل "فارس آل شاهين" في جلسته فوق سريره في شقته الفارهة المطلة على أفق المدينة. ثم نطقت الطفلة باسم أمها: "سلمى". "سلمى"؛ المرأة التي أحبها فارس أكثر من أي شخص في حياته، والمرأة التي اختفت قبل عشر سنوات. وقبل أن يتمكن من طرح سؤال آخر، تحدثت طفلة ثانية في الخلفية: «يا حنين، اسأليه». سأل فارس: «أسأله ماذا؟» أخذت الطفلة الأولى نفسًا مرتجفًا وقالت: «هل أنت أبونا؟» ولأول مرة منذ سنوات، عجز "فارس آل شاهين"—الرجل الذي كان يربك كبار رجال الأعمال بنظرة واحدة—عن النطق بحرف. فالصوت القادم عبر الهاتف كان يملك نبرة مألوفة في أذنيه، لا لأنه سمع هذه الطفلة من قبل، بل لأن طريقة كلامها تحمل شيئًا منه. وفجأة، كانت أسوأ ليلة في حياة "سلمى" على وشك أن تكشف السر الذي قضت ثماني سنوات تحميه. بدأت القصة قبل أربعين دقيقة في بيت هادئ بشرق المدينة. كانت سلمى في الرابعة والثلاثين من عمرها، أرهقها التعب وهي تحاول إنهاء تصاميم هندسية كان يجدر بها تأجيلها منذ ثلاثة أيام. كانت الرسوم المعمارية تغطي طاولة الطعام، والقهوة جفت بجوار حاسوبها، بينما وضعت جانباً فطيرة لم تُكمل نصفها. وكان من المفترض أن تكون ابنتاها التوأمان، "حنين" و"ياسمين"، نائمتين في الطابق العلوي. مسحت سلمى جبهتها؛ فقد كان الصداع يداهمها طوال اليوم. همست لنفسها: «سأنهي المخطط الأخير فقط... ثم أنام». وقفت لتجلب الماء، فدارت بها الغرفة. سقط القلم أولاً، ثم تلتها سلمى. اصطدم جانبها بطرف الطاولة قبل أن تقع أرضًا. في الأعلى، سمعت "حنين" صوت السقوط، ففتحت باب الغرفة: «ياسمين؟» ظهرت أختها على الفور: «هل سمعتِ الصوت أنتِ أيضاً؟» ركضتا إلى الأسفل: «أمي؟» كانت سلمى مستلقية بجوار المخططات المتناثرة، وعيناها مغمضتان. تجمدت حنين في مكانها، لكن ياسمين لم تفعل؛ إذ جثت بجوار أمها ووضعت يدها قرب فمها: «إنها تتنفس». — «أيقيظيها!» — «أحاول... أمي!» لا إجابة. بدأت حنين بالبكاء، بينما بدا الخوف على ياسمين، لكنها كانت من النوع الذي يتصرف بعقلانية مفاجئة عند الأزمات: «هاتي هاتفها». وجدت حنين الهاتف تحت أحد المخططات: «اتصلي بالإسعاف». ردت ياسمين: «أنا أفعل الآن». أخبرهم موظف الطوارئ أن سيارة الإسعاف في الطريق. وبينما بقيت ياسمين بجانب أمها، ظلت حنين تتأمل شاشة الهاتف. كان هناك رقم مسجل تحت اسم "جهة اتصال للطوارئ": فارس ش للمزيد من القصص الحصرية في الجروب الجديد : روايات محمد نور لقد رأت هذا الاسم من قبل، ليس في أسماء هاتف أمها، بل في مكان آخر. همست حنين: «من هو فارس؟» رفعت ياسمين رأسها: «لا أعلم». — «أمي تضعه كجهة اتصال للطوارئ». — «اتصلي به». — «ماذا لو كان زميلاً في العمل؟» — «وماذا لو حدث شيء لأمي؟» ضغطت حنين على الرقم. على الطرف الآخر من المدينة، بدأ هاتف "فارس آل شاهين" بالرنين. لم يمسح رقم سلمى قط؛ ولعشر سنوات كان يقنع نفسه بأن السبب هو عدم الاكتراث، لكن الحقيقة كانت أكثر إيلامًا: كان ينتظر أن تضيء الشاشة باسمها. في كل عيد ميلاد، وفي كل مناسبة، وفي كل ليلة أرق يتأمل فيها أضواء المدينة، وشعوره يخبره أن كل أمواله لم تملأ الفراغ الذي تركته. «سلمى؟» صمت... ثم صوت طفلة: «عفوًا... مرحبًا؟» تشنج جسد فارس بالكامل: «من معي؟» — «اسمي حنين. أمي سقطت على الأرض». — «أين؟» — «في البيت. اتصلنا بالإسعاف، ورقمك مكتوب للطوارئ». — «ما اسم أمك؟» — «سلمى». توقف نفس فارس للحظة: «كم عمرك يا حنين؟» — «ثماني سنوات». اشتدت قبضته على الهاتف: «هل معك أحد؟» — «أختي». — «كم عمرها؟» — «ثماني سنوات أيضاً... نحن توأمان». توأمان... ثماني سنوات... وسلمى تركته قبل عشر سنوات. — «لا». لكنه كان كذلك بالفعل، دون أدنى شك. تابع قائلاً: «حنين، أريدكِ أن تركزي مع أمكِ الآن». علا صوت صفارات الإسعاف المقتربة عبر الهاتف. فقالت الطفلة: «لقد وصلوا!» — «افتحي الباب بسرعة». هرعت حنين، بينما انطلق "فارس" نحو مرآب شقته السفلي. — «أنا قادم إلى المستشفى، هل تفهمينني؟» — «نعم». — «لا تخافي». — «أنا خائفة حقًا». انكسرت نبرة صوته وهو يجيب: «أعلم ذلك يا حبيبتي». شيء ما في هذه الكلمة هز أركانه؛ "حبيبتي"... كلمة طالما قالها لسلمى، وكلمة كان والده يناديه بها وهو طفل صغير. «أنا قادم». عندما وصل فارس إلى الحي، كان رجال الإسعاف ينقلون سلمى إلى السيارة. وعلى الرصيف، وقفت طفلتان بملابس النوم. توقف فارس بجانب سيارته. كان يعلم... قبل فحص الحمض النووي، وقبل أي تفسيرات، وقبل أن ينطق أي شخص بكلمة. كان متأكدًا. تكتسب "حنين" و"ياسمين" شعر سلمى الداكن ووجهها المحدد كقلب، لكن أعينهما كانت عينيه؛ خضراوان بنفس الدرجة، وليست مجرد تشابه عابر. أمالت حنين رأسها وهي تتأمله، وهي حركة يفعلها فارس تمامًا. بينما طوت ياسمين ذراعيها بتوتر، وهي ذات الوقفة التي تملأ صور طفولته القديمة. همست حنين: «إنه هو». تأملته ياسمين وقالت: «أنت أطول من الصور». شعر فارس وكأن أحدهم اخترق صدره وقبض على قلبه بقوة: «هل رأيتما صورًا لي؟» أومأت الطفلتان بالإيجاب. اقترب مسعف وسأله: «سيدي، هل تعرف هاتين الطفلتين؟» كانت الإجابة الصادقة معقدة، فقال: «أعرف أمهما». — «هل أنت من العائلة؟» نظر فارس إلى التوأمين؛ حنين تبكي بصمت، وياسمين تتظاهر بالتماسك. قال فارس ببطء: «أعتقد... أنني أبوهما». رمش المسعف بعينيه: «هذا أمر تسويه المستشفى لاحقًا، نحتاج الآن إلى ولي أمر قانوني». قالت حنين: «جدتي! اتصل بجدتي». ردت والدة سلمى، "أمينة"، من الرنة الأولى. وعندما عرفها فارس بنفسه، ساد الصمت الخط. — «فارس؟» شد على فكه وقال: «كنتِ تعلمين». — «ليس هذا الوقت مناسبًا...» — «كنتِ تعلمين يا أمينة!» — «ليس أمام الطفلتين». كانت تلك الإجابة كافية. بعد عشر دقائق، وبإذن شفوي من الجدة وتوثيق المسعفين للموقف، قاد فارس سيارته خلف سيارة الإسعاف متجهًا نحو المركز الطبي، وتحت رفقته حنين وياسمين. ساد الصمت لدقائق، ثم سألت ياسمين: «هل أنت مشهور؟» نظر إليها فارس عبر المرآة: «لا». قطست حنين حاجبيها: «أنت فارس آل شاهين، صاحب شركة شاهين للتقنية». — «نعم». — «قالت معلمتنا إنك رجل أعمال ثري جدًا». — «هذا الجزء ليس مهمًا الليلة». فكرت ياسمين في كلامه ثم قالت: «تقول أمي إن الأثرياء يقولون إن المال غير مهم فقط بعد أن يحصلوا عليه». خرجت منه ضحكة مجبرة؛ فهذا المنطق يشبه سلمى تمامًا: «معها حق». مالت حنين إلى الأمام وسألت: «هل كنت تحب أمنا؟» اشتدت قبضة فارس على عجلة القيادة: «نعم». — «وهل ما زلت تحبها؟» نظر إلى سيارة الإسعاف التي تتقدمه، فشعر بأن عشر سنوات من الغضب تبددت في لحظة: «نعم»، همس بها. في المستشفى، رفض فارس الابتعاد عن الطفلتين. أجريت الفحوصات سريعة، وفي الساعة 4:06 فجرًا، خرج جراح الأعصاب: «سلمى مصابة بنزيف ناتج عن انفجار شرياني في الدماغ». شحب وجه حنين، وسألت ياسمين: «ماذا سيحدث الآن؟» — «تحتاج إلى جراحة عاجلة». — «هل ستعيش؟» تردد الطبيب، وكره فارس ذلك التردد: «ما هي فرص نجاح العملية؟» — «بالنظر إلى موقع النزيف، حوالي سبعون بالمائة مع الجراحة الفورية». مسكت حنين بيده. ثلاثون بالمائة... احتمال ثلاثون بالمائة أن تختفي سلمى مجددًا، وهذه المرة إلى الأبد. واصل الجراح الحديث، لكن فارس لم يعد يسمعه، حتى همست حنين: «يا أبي؟» توقف كل صوت في الغرفة. نظر فارس للأسفل، واتسعت عينا حنين وكأنها لم تقصد النطق بها: «آسفة...» — «لا». جثا فارس أمامها: «لا تتأسفي». تأملته ياسمين: «هل أنت أبونا حقًا؟» — «أعتقد ذلك». — «ألم تخبرك أمي قط؟» — «لا». — «لماذا؟» — «لا أعلم». نظرت حنين نحو أبواب غرفة العمليات: «هل أنت غاضب منها؟» كان بإمكانه الكذب، لكنه قال: «نعم». تصلبت الطفلتان، فتابع: «لكن الغضب من شخص ما لا يعني أننا نتوقف عن حبه». ارتجفت شفتا حنين: «ماذا لو ماتت قبل أن يتوقف غضبك؟» حطمت كلماتها ما تبقى من دفاعاته، فضم الطفلتين إلى صدره: «حينها سأقضي بقية حياتي نادمًا على كل دقيقة أضعناها». بعد ست ساعات، عاد الجراح. وقف فارس بسرعة أدت لسقوط كرسيه لل his خلف. ابتسم الطبيب: «نجحت الجراحة». صرخت حنين فرحًا، وانفجرت ياسمين بالبكاء، بينما غطى فارس وجهه بيديه. الرجل الذي خاض صفقات بمليارات دون أن ترمش له عين، انهار على كرسي المستشفى البلاستيكي وبكى أمام الجميع. سلمى على قيد الحياة، وابنتاه لم تفقدَا أمهما... ابنتاه. بعد ساعات، فتحت سلمى عينيها أخيرًا. ركضت حنين وياسمين نحو السرير: «أمي!» همست سلمى بصوت ضعيف: «رويدًا...» — «ظننا أنكِ متِّ!» — «يبدو أن التخلص مني ليس بهذه السهولة». ضحكت حنين من بين دموعها. لكن عندما رفعت سلمى نظرها ورأت الرجل الواقف عند الباب، تغيرت ملامحها تمامًا، وتسارعت نبضات قلبها على الشاشة: «لا...» لم يتحرك فارس من مكانه: «أهلاً، يا سلمى». — «فارس؟» نظرت حنين بينهما وقالت: «اتصلنا بجهة اتصال الطوارئ الخاصة بكِ». النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد