تركها زوجها عند موقف الحافلات-محمد نور
كيف وصلت حياتي إلى هذا الحد؟
طالت ظلال بعد الظهيرة وأصبح الهواء باردًا. ضلعت ذراعيّ حول نفسي وحدقت في الأرض تساءلًا عما سأفعله، وهل سأبقى هنا حتى يحل الليل؟ وهل سيعود طارق؟ وهل أريده أن يعود أساسًا؟
في تلك اللحظة، سمعت نقرات عصا على الرصيف.
رفعت رأسي ورأيت امرأة مسنة تمشي ببطء نحو الموقف، ترتدي نظارات داكنة وتحرك عصا بيضاء أمامها. وصلت إلى المقعد وجلست بحذر بجانبي تاركة مسافة لبيبة.
قالت بطف: «لقد كنتِ تبكين منذ فترة طويلة يا ابنتي، هل تريدين إخباري بما بكِ؟»
مسحت دموعي بسرعة وخجلت: «أنا بخير»، لكن صوتي انكسر.
ابتسمت المرأة بهدوء: «عيناي لا تعملان يا ابنتي، لكن أذنيّ تعملان بكفاءة تامة. وأستطيع أن أسمع في صوتكِ أنكِ لستِ بخير أبدًا».
شيء ما في نبرتها اللطيفة كسر الحجز الذي بنيته حول مشاعري. ربما لأنها غريبة ولن أراها مجددًا، أو لأنني كتمت كل شيء لفترة طويلة، أو ببساطة لأنها كانت أول شخص منذ ساعات يتحدث معي بدفء حقيقي.
همست: «زوجي تركني هنا… أخذ مالي وهاتفي وانطلق بالسيارة».
تغيرت معالم وجهها وانقبض فمها: «ترككِ هنا عند موقف الحافلات عن عمد؟»
«نعم».
فحكيت لها كل شيء؛ كشف الحساب البنكي، وغضب طارق من البقاليات وهدية أمي، وكيف قال إنني بحاجة لتعلم درس في المسؤولية. بمجرد أن بدأت الكلام لم أستطع التوقف.
أخبرتها عن معاملة طارق لي لشهور بل لسنوات؛ كيف كان يشعرني بأنني صغيرة وغبية، وكيف يتحكم بأموالنا رغم مشاركتي فيها، وكيف يلومني على كل خطأ في حياته.
استمعت المرأة دون أن تقاطعني، وكنت أرى فكها ينقبض مع كل تفصيلة.
سألتني عندما سكتّ أخيراً: «منذ متى وأنتِ متزوجة من هذا الرجل؟»
«خمس سنوات».
«وهل كان يعاملكِ هكذا دائمًا؟»
فكرت بصدق: «لا، كان مختلفًا عندما التقينا؛ كان لطيفًا ومهتمًا. لكنه تغير تدريجيًا بعد الزواج. في البدء ظننت أنني حساسة أكثر من اللزوم، كان يعتذر بعد الكلام الجارح ويقول إنه مضغوط من العمل، لكن الاعتذارات توقفت مؤخرًا».
«واليوم ترككِ في واحدة من أكثر مناطق المدينة خطورة دون وسيلة لحماية نفسكِ أو العودة».
«نعم».
سكتت لبرهة ثم التفتت إليّ: «ما اسمكِ يا ابنتي؟»
«مريم… مريم العلي».
«سررت بلقائكِ يا مريم، أنا فاطمة المكتوم».
لم يعنِ لي الاسم شيئًا في البداية، كنت منهكة ومضطربة جدًا.