بعد أن تركني زوجي عند موقف الحافلات دون أي مال متعللًا بأن هذا «سيعلمني درسًا»، قالت امرأة مسنة كفيفة: «تظاهري بأنكِ حفيدتي، فسائقي في الطريق. سيندم زوجكِ أشد الندم على تخليه عنكِ... أنا أثرى امرأة في هذه المدينة». لم أكن أتوقع أبدًا أن يتركني زوجي عند موقف الحافلات وكأنني أمتعة قرر التخلص منها. لكن هذا بالضبط ما فعله طارق في ظهر يوم ثلاثاء بدأ كأي يوم عادي، وانتهى بلقائي بشخص غير حياتي بأكملها. في ذلك الصباح، استيقظت على صوت طارق وهو يغلق أدراج غرفة النوم بقوة. كنت أشعر بالغضب يتدفق منه قبل أن ينطق بكلمة واحدة. مر على زواجي منه خمس سنوات، وتعلمت كيف أفهم إشاراته: الفك المشدود، الخطوات الثقيلة، والهروب من النظر في عيني مباشرة. قال بصوت بارد وحاد: «مريم، علينا أن نتحدث». جلست على السرير وقلبي يخفق بسرعة. رمى عليّ ورقة طارت وسقطت على الغطاء. عندما رفعتها، وجدتها كشف حساب البطاقة البنكية: مشتريات للبقاليات قبل ثلاثة أيام، هدية عيد ميلاد لأمي التي تتعافى من عملية جراحية، ووقود لسيارتي. لا شيء غير عادي، ولا شيء فيه إسراف. سألني طارق وهو يكتف ذراعيه: «هل لديكِ تفسير لهذا؟» قلت بهدوء: «لا أفهم... هذه مصاريف طبيعية، وقد اتفقنا على شراء شيء جميل لأمي لأنها كانت مريضة جدًا». «أنفقتِ أربعمائة ريال على هدية بينما نحرص على التوفير! وانظري إلى فاتورة البقاليات، سبعمائة ريال! ماذا اشتريتِ؟ خضراوات مطلية بالذهب؟» شعرت باحمرار وجهي: «طارق، هذه بقاليات تكفي لأسبوعين، وقد استخدمت قسائم التخفيض واشتريت السلع الاقتصادية كما أفعل دائمًا. أما هدية أمي فكانت بطانية دافئة وبضعة كتب لأنها طريحة الفراش منذ أسابيع». «دائمًا لديكِ أعذار! مشكلتك يا مريم أنكِ لا تعرفين قيمة المال؛ لم تجربي المعاناة قط، تُنفقين وتُنفقين دون تفكير في العواقب». لم يكن كلامه منصفًا وهو يعلم ذلك. كنت أعمل بجزء من الوقت في المكتبة، وكان كل ريال من راتبي يذهب إلى حسابنا المشترك. كنت أبحث عن التخفيضات وأرتدي الملابس نفسها لسنوات، لكن طارق أصبح يكرر هذا الكلام مؤخرًا، وتعلمت أن الجدال معه يزيد الأمر سوءًا. همست: «أنا آسفة، سأكون أكثر حرصًا»، لأن هذا ما كان يريد سماعه. «الأسف لم يعد يكفي». أخذ مفاتيح سيارته من التسريحة وقال: «ارتدي ملابسكِ، سنخرج». قال إننا ذاهبان إلى بيت أمي لزيارتها. لم يكن طارق يتطوع أبدًا بالذهاب إلى بيت أمي بل كان يختلق الأعذار للبقاء في البيت، لكنني شعرت بالارتياح لأنه بدأ يهدأ ولم أناقشه. ارتديت ملابسي، وأخذت حقيبتي، وتبعته إلى السيارة. بدأت الرحلة بشكل طبيعي، شغل طارق المذياع ولم يتكلم كثيرًا. لكن بعد عشرين دقيقة، لاحظت أننا نتجه جنوبًا بدلًا من الشرق، نحو منطقة لا أعرفها من المدينة. «طارق، هذا ليس الطريق إلى بيت أمي». رد ببساطة: «أعلم». بدأت معدتي تنقبض. كانت المباني من حولنا تبدو مهجورة، والشوارع أكثر خلوًا. مررنا بمستودعات مغلقة وأراضٍ بوار. أخيراً، توقف طارق عند موقف حافلات في زاوية شارع مهجور، لا يوجد حوله سوى مبانٍ قديمة بأبواب مغلقة ودكان وراء أسياخ حديدية. قال طارق: «انزلي». «ماذا؟ لماذا؟» مد يده عبر حضني وفتح الباب: «عليكِ أن تتعلمي كيف تدبرين أمركِ دون الاعتماد عليّ وعلى مالي. وبما أنكِ لا تفهمين قيمة الريال، فستكتشفين بنفسكِ كيف تعودين إلى البيت. ربما حينها تقدرين ما لديكِ». «طارق، أرجوك... أنا لا أعرف حتى أين نحن!» أمسك بحقيبتي من حضني وبدأ يفتشها. أخرج محفظتي التي تحتوي على بطاقاتي البنكية وما جمعته من نقود لم يتجاوز مائة وخمسين ريالًا، بل وأخذ هاتفي من جيب معطفي. «كيف سأعود إلى البيت؟ كيف سأتصل بأي شخص؟» «هذه مشكلتكِ. اعتبري هذا درسًا في الاعتماد على النفس. عندما تعرفين كيف تصلين للبيت وتكونين مستعدة للاعتذار والتعهد بأن تكوني أكثر مسؤولية، حينها نتحدث». ترجيته والدموع تسيل على وجهي: «أرجوك لا تفعل هذا... أنا آسفة، سأتحسن، أعدك». «كان عليكِ التفكير في هذا قبل إهدار أموالنا. انزلي الآن». كانت يداي ترتجفان وأنا أخرج من السيارة. هذا زوجي، الرجل الذي وعدني بالحب والحماية، يتركني في منطقة غريبة دون مال ولا هاتف ولا طريقة للعودة. وبمجرد أن لمست قدمي الرصيف، أغلق طارق الباب وانطلق بسرعة. مشيت نحو مقعد موقف الحافلات وجلست. كانت ساقاي تتداعيان. مرت حافلة لكنني لم أستطع ركوبها لعدم وجود الأجرة. مرت الساعات، وتغير موقع الشمس، والحافلات تجيئ وتذهب. كان بعض السائقين ينظرون إليّ بتساءل، وعندما أهز رأسي يواصلون طريقهم. فكرت في السير مشيًا، لكنني لم أكن أعرف الاتجاه. جف حلقي، وآلمني رأسي، ولم أستطع إيقاف دموعي. كيف وصلت حياتي إلى هذا الحد؟ طالت ظلال بعد الظهيرة وأصبح الهواء باردًا. ضلعت ذراعيّ حول نفسي وحدقت في الأرض تساءلًا عما سأفعله، وهل سأبقى هنا حتى يحل الليل؟ وهل سيعود طارق؟ وهل أريده أن يعود أساسًا؟ في تلك اللحظة، سمعت نقرات عصا على الرصيف. رفعت رأسي ورأيت امرأة مسنة تمشي ببطء نحو الموقف، ترتدي نظارات داكنة وتحرك عصا بيضاء أمامها. وصلت إلى المقعد وجلست بحذر بجانبي تاركة مسافة لبيبة. قالت بطف: «لقد كنتِ تبكين منذ فترة طويلة يا ابنتي، هل تريدين إخباري بما بكِ؟» مسحت دموعي بسرعة وخجلت: «أنا بخير»، لكن صوتي انكسر. ابتسمت المرأة بهدوء: «عيناي لا تعملان يا ابنتي، لكن أذنيّ تعملان بكفاءة تامة. وأستطيع أن أسمع في صوتكِ أنكِ لستِ بخير أبدًا». شيء ما في نبرتها اللطيفة كسر الحجز الذي بنيته حول مشاعري. ربما لأنها غريبة ولن أراها مجددًا، أو لأنني كتمت كل شيء لفترة طويلة، أو ببساطة لأنها كانت أول شخص منذ ساعات يتحدث معي بدفء حقيقي. همست: «زوجي تركني هنا... أخذ مالي وهاتفي وانطلق بالسيارة». تغيرت معالم وجهها وانقبض فمها: «ترككِ هنا عند موقف الحافلات عن عمد؟» «نعم». فحكيت لها كل شيء؛ كشف الحساب البنكي، وغضب طارق من البقاليات وهدية أمي، وكيف قال إنني بحاجة لتعلم درس في المسؤولية. بمجرد أن بدأت الكلام لم أستطع التوقف. أخبرتها عن معاملة طارق لي لشهور بل لسنوات؛ كيف كان يشعرني بأنني صغيرة وغبية، وكيف يتحكم بأموالنا رغم مشاركتي فيها، وكيف يلومني على كل خطأ في حياته. استمعت المرأة دون أن تقاطعني، وكنت أرى فكها ينقبض مع كل تفصيلة. سألتني عندما سكتّ أخيراً: «منذ متى وأنتِ متزوجة من هذا الرجل؟» «خمس سنوات». «وهل كان يعاملكِ هكذا دائمًا؟» فكرت بصدق: «لا، كان مختلفًا عندما التقينا؛ كان لطيفًا ومهتمًا. لكنه تغير تدريجيًا بعد الزواج. في البدء ظننت أنني حساسة أكثر من اللزوم، كان يعتذر بعد الكلام الجارح ويقول إنه مضغوط من العمل، لكن الاعتذارات توقفت مؤخرًا». «واليوم ترككِ في واحدة من أكثر مناطق المدينة خطورة دون وسيلة لحماية نفسكِ أو العودة». «نعم». سكتت لبرهة ثم التفتت إليّ: «ما اسمكِ يا ابنتي؟» «مريم... مريم العلي». «سررت بلقائكِ يا مريم، أنا فاطمة المكتوم». لم يعنِ لي الاسم شيئًا في البداية، كنت منهكة ومضطربة جدًا. سألتني: «ماذا ستفعلين عندما تصلين إلى البيت؟ إن عاد زوجكِ لأخذكِ في النهاية؟» لم أفكر إلى هذا الحد: «لا أعلم... سأعتذر على ما أعتقد، وأحاول إرضاءه، وأبحث عن طريقة لأكون أفضل حتى لا يتكرر هذا». «تكونين أفضل؟» ظهرت نبرة حادة في صوت فاطمة: «مريم، استمعي إليّ جيدًا. أنتِ لم تفعلي أي خطأ. شراء البقاليات وهدية لأمكِ المريضة لا يجعلكِ غير مسؤولة، بل يجعلكِ إنسانة طبيعية بمصاريف طبيعية. ما فعله زوجكِ اليوم يسمى إيذاءً وسيطرة». وقعت الكلمة عليّ كالصفعة: «لا، هو لا يضربني أو شيء من هذا القبيل». «الإيذاء ليس جسديًا فقط يا ابنتي. أخذ مواردكِ، وعزلكِ عن أصدقائكِ وعائلتكِ، وجعلكِ تشكين في حُسن تقديركِ للأمور، وعقابكِ على تصرفات طبيعية... كلها أشكال للسيطرة والتلاعب. وترككِ في مكان خطير لـ "تعليمكِ درسًا" هو إيذاء صريح». أردت الدفاع عن طارق واختلاق الأعذار كما اعتادت، لكن جزءًا آخر مني — كنت أجاهله طويلاً — كان يعلم أنها على حق. اعترفت لها: «لا أعرف ماذا أفعل». مدت فاطمة يدها وربطت على يدي بثبات ودفء: «أولاً وقبل كل شيء، سنأخذكِ إلى مكان آمن. سائقي يصل في أي لحظة، كان من المفترض أن أقابل صديقة قديمة لكنها ألغت الموعد». صمتت ثم مالت برأسها نحوي: «قد لا أكون قادرة على الرؤية، لكنني أستطيع تحمّل تكلفة مساعدة ممتازة». انعطفت سيارة سوداء فارهة وانزلقت نحو موقف الحافلات. كانت من النوع الذي لا أراه إلا في الأفلام؛ طويلة وأنيقة بنوافذ صقيلة. خرج رجل ببدلة مرتبة، في الخمسينيات من عمره، بشعر رمادي ونظرات حادة قيّمت الموقف فورًا. قال وهو يفتح الباب الخلفي: «يا خالة فاطمة، أعتذر عن اللبس في الموعد». «لا داعي للعتداب يا صالح، هذه الأمور تحدث». وقفت فاطمة بمساعدة عصاها ثم التفتت إليّ: «مريم، لديّ اقتراح. لا أظن أن عليكِ العودة إلى زوجكِ الليلة، بل لا أظن أن عليكِ العودة إليه مطلقًا حتى تأخذي وقتكِ للتفكير بوضوح وتتخذي قراراتكِ من موقع قوة لا خوف». «لكن ليس لديّ مكان آخر أذهب إليه». «بلى، لديكِ. يمكنكِ القدوم معي إلى بيتي». حدقت فيها: «ماذا؟ لا، لا يمكنني ذلك أبدًا!» «ولماذا؟» «لأنني لا أعرفكِ، ولأن هذا طلب كبير، ولأن...» قالت بصوت حازم ولطيف: «مريم، أنا في الثامنة والسبعين من عمري، أعيش في بيت أكبر بكثير من حاجة شخص واحد، ولديّ من المال ما لا أستطيع إنفاقه في ثلاثة أعمار. وأنا ممتازة في الحكم على الأشخاص حتى دون بصري. أنتِ إنسانة طيبة في موقف سيء، وأود مساعدتكِ. هل تسمحين لي؟» عجزت عن الكلام. هذه المرأة الغريبة تقدم لي عطفًا في خمس دقائق أكثر مما قدمه لي زوجي في أشهر. وأضافت فاطمة بنبرة مرحة: «وهناك شيء آخر، عندما نركب السيارة، أريدكِ أن تتصرفي وكأنكِ حفيدتي، هل تستطيعين فعل ذلك؟» «حفيدتكِ؟ لكن لماذا؟» «لأن زوجكِ يا عزيزتي مريم ظن أنه يعلمكِ درسًا بترككِ بلا موارد، وما لا يعلمه هو أنه ترككِ مع أثرى امرأة في هذه المدينة، وأعتقد أن الوقت قد حان ليعلّمه شخص آخر درسًا بدلاً من ذلك». حنحن صالح بهدوء: «يا خالة فاطمة، هل تخططين لشيء ما؟» ابتسمت فاطمة: «يا صالح، تعرّف على حفيدتي نورة، ستستقر معنا لفترة». نظر صالح إليّ ثم إلى فاطمة، ورأيت الفهم يشرق في عينيه يليه ما يشبه الاستحسان: «بالتأكيد يا خالة فاطمة. أهلاً بكِ في بيتكِ يا آنسة نورة». مدت فاطمة يدها إليّ. نظرت إلى يدها الممدودة، ثم إلى السيارة الفارهة، ثم إلى صالح الذي ينتظر بصبر دون أي إطلاق أحكام. ثم فكرت في طارق وهو ينطلق بسيارته ويتركني، وفي سنوات التقليل من شأني والسيطرة عليّ، وكيف جعلني أشعر بأنني صغيرة جدًا. أمسكت بيد فاطمة ووقفت. قلت: «نعم، أنا مستعدة». كانت الطريق إلى بيت فاطمة تشبه الدخول إلى عالم مختلف. مررنا بأحياء تزداد جمالًا، بشوارع مشجرة وبيوت أنيقة. أخيرًا، دخل صالح عبر بوابات حديدية ضخمة فتحت تلقائيًا، فاحتبست أنفاسي. كان الممر يلتف عبر حدائق منسقة بها نافورات وأحواض زهور، وفي نهايته يربض قصر يبدو وكأنه من مجلة؛ ثلاثة طوابق وأعمدة بيضاء ونوافذ ضخمة تتألألأ في ضوء الغروب. همست: «فاطمة... من أنتِ؟» ضحكت بمهل: «قلت لكِ يا ابنتي، فاطمة المكتوم. كنت أملك مجموعات المكتوم التجارية قبل التقاعد؛ مصانع لقطع السيارات والطائرات والمعدات الطبية. أعمال روتينية لكنها ربحية جدًا». مجموعات المكتوم التجارية! حتى أنا سمعت بها، أحد أكبر المشغلين في المنطقة. في الداخل، كان البيت أكثر روعة؛ أرضيات رخامية في المدخل، وسلالم واسعة، وثريا كريستالية ضخمة. ظهرت امرأة في الستينيات من باب جانبي وهي تمسح يديها بمئزر. «يا خالة فاطمة، عدتِ مبكرًا! لم أكن أتوقعكِ حتى...» توقفت عندما رأتني. «يا مريم، هذه حفيدتي نورة، ستستقر معنا لفترة. هل يمكنكِ إعداد غرفة الضيوف الزرقاء؟» اتسعت عينا المشرفة مريم قليلاً لكنها تداركت الأمر بسرعة: «بالتأكيد، أهلاً بكِ يا آنسة نورة». قلت بجهد: «شكراً لكِ». ضغطت فاطمة على ذراعي: «مريم تعمل معي منذ عشرين سنة، وهي محل ثقة وكتمان. الآن لنرتب أموركِ ونطعمكِ، فلا بد أنكِ جائعة جداً». كانت محقة، لم آكل منذ الصباح وبدأت معدتي تؤلمني. أخذتني مريم المشرفة إلى غرفة نوم أكبر من شقتي كاملة؛ سرير فخم، وجلسة جانبية، وأبواب زجاجية تطل على شرفة تناظر الحدائق. بعد أن خرجت، وقفت في منتصف الغرفة خائفة من لمس أي شيء. قبل ساعات فقط كنت متروكة عند موقف الحافلات، والان أنا في قصر أُعامل كالأميرات. في ذلك المساء، التقيت بفاطمة في غرفة طعام دافئة. كان العشاء بسيطًا ولذيذًا: دجاج محمر وخضار وخبز طازج. أكلت ببطء في البداية أحاول تذكر قواعد اللياقة، لكن فاطمة شجعتني على الأكل كما أشاء. قالت بعد أن تناولنا الطعام: «والآن، علينا الحديث بجدية عن موقفكِ. أعني ما قلته سابقًا عن سلوك زوجكِ وأنه إيذاء. هل فكرتِ فيما تريدين فعله؟» وضعت شوكتي: «جزء مني يراني يجب أن أعود للبيت وأحاول إصلاح الأمور، لكن جزءًا آخر...» أكملت فاطمة: «جزء آخر يعلم أنكِ تستحقين ما هو أفضل». أخذت جرعة ماء ثم وضعت الكأس بحذر: «مريم، هل لي أن أخبركِ بشيء عن نفسي؟ قبل عشر سنوات فقدت بصري في حادث سيارة. لم يكن خطأ أحد، مجرد سوء حظ وطقس سيئ. بعد ذلك عاملني الكثيرون بشكل مختلف؛ افترض شركائي في العمل أنني لم أعد أستطيع إدارة شركتي، وتوقف بعض الأصدقاء عن الاتصال لأنهم لا يعرفون كيف يتصرفون معي، بل حاول البعض استغلالي ظنًا منهم أنني أصبحت عاجزة». صمتت لبرهة. «لكنني تعلمت شيئًا مهمًا حينها: قيمتي لا علاقة لها بما يظنه الآخرون عني أو بما أستطيع أو لا أستطيع فعله. قيمتي ذاتية، موجودة لمجرد أنني موجودة. وهذا ينطبق عليكِ أيضاً». ترقرقت الدموع في عيني: «طارق جعلني أشعر أن كل شيء خطئي، وأنني أنا المشكلة». «هذا ما يفعله أمثاله؛ يهدمونكِ ليرفعوا أنفسهم. لكن ما أريدكِ أن تفهميه هو أن لديكِ خيارات، لستِ مضطرة للعودة إليه؛ لا اليوم ولا غدًا ولا أبدًا، إلا إذا أردتِ ذلك حقًا». «لكن كل شيء في حسابنا المشترك الذي يتحكم به طارق». «هنا تخطئين. لديكِ مكان تذهبين إليه، يمكنكِ البقاء هنا كما تشاءين. وأما عن المال والأمور القانونية، فلديّ محامون ممتازون يتعاملون مع هذه الحالات دائمًا». «لا أستطيع أن أطلب منكِ...» «أنتِ لا تطلبين، أنا أعرض. اعتبريها تمردي الصغير ضد الرجال الذين يعتقدون أنهم يستطيعون معاملة النساء كملكيات خاصة». مدّت يدها عبر الطاولة وأمسكت بيدي: «لم أنجب أطفالًا قط، وليس لديّ أحفاد. وكنت أتساءل دائمًا كيف يكون الشعور بمساعدة امرأة شابة على إيجاد قوتها. هل تسمحين لي بمساعدتكِ يا مريم؟ ليس كصدقة، بل كشخص يرى فيكِ إمكانات نسيتها أنتِ نفسها». فكرت في طارق، في سنوات الشعور بالضآلة وانعدام القيمة، وفي الجلوس عند موقف الحافلات خائفة ومتروكة. قلت: «نعم، أريد مساعدتكِ». مرت الأيام الخمسة التالية كحلم أخشى الاستيقاظ منه. في الصباح التالي لوصولي، جعلتني فاطمة ألتقي بمحاميتها الخاصة، وهي امرأة حادة الذكاء تدعى أمل متخصصة في قضايا الأسرة. استمعت أمل لقصتي دون أحكام وهي تدون الملاحظات، وعندما انتهيت نظرت إليّ بعينين لطوفتين وجادتين: «ما فعله زوجكِ يشكل تخليًا وإيذاءً ماليًا. نستطيع استخدام هذا إذا قررتِ طلب الطلاق. لكن أولاً عليّ أن أسأل: هل هذا ما تريدينه؟» كانت كلمة الطلاق ثقيلة. نشأت وأنا أعتقد أن الزواج للأبد وأن عليك حل المشكلات مهما كانت. لكنني تذكرت أيضًا جلوسي عند موقف الحافلات، مرعوبة ووحيدة، بفضل الرجل الذي وعد بحمايتي. قلت: «أعتقد ذلك... لكنني خائفة». «هذا طبيعي جداً. خذي وقتكِ للتفكير. في هذه الأثناء سأبدأ بجمع الوثائق: السجلات البنكية وكشوفات الحسابات. هل تستطيعين الدخول لحساباتكم المشتركة عبر الإنترنت؟» أومأت برأسي. لم يخفِ طارق كلمة المرور عني قط، بل كان يجعلني أخاف من النظر إليها دون إذن منه. على مدار الأيام التالية، عملت أمل وفريقها بهدوء في الخفاء، واكتشفوا أشياء جعلت معدتي تقلب. كان طارق يسحب أموالاً من حساب التوفير منذ أشهر — أموالاً شاركت بها من راتبي في المكتبة — ولم أكن أعلم أين تذهب. كما فتح بطاقة ائتلاية باسمه فقط وسجل عليها آلاف الريالات في مطاعم وفنادق فاخرة. قالت أمل بلطف وهي تريني الكشوفات: «كان يأخذ شخصًا آخر إلى هذه الاماكن. المبالغ دائمًا لشخصين، وتأتي في أيام كان يخبركِ فيها أنه يعمل لوقت متأخر». شعرت بالتبلد وأنا أنظر إلى الأدلة. كان لديّ شك، لكن رؤيته بالأبيض والأسود جعلته حقيقة. كما عرّفتني فاطمة على أخصائية نفسية ساعدتني على فهم أن ما مررت به لم يكن مشكلات زواج طبيعية، بل نمطًا من التلاعب التعمدي. لكن فاطمة لم تركز على الأمور الجادة فقط، بل حرصت على أن أعيش لحظات فرح أيضًا. كنا نتجاذب أطراف الحديث في حديقتها حيث حكت لي قصصًا عن بناء أعمالها من الصفر، وكيف أن فقدان بصري جعلها ترى الناس بوضوح أكبر اعتمادًا على أفعالهم وكلماتهم بدلاً من مظاهرهم. قالت في إحدى الأطفات: «زوجكِ يبدو واثقًا ويتصرف وكأنه مسيطر، لكن الواثقين حقًا لا يحتاجون إلى هدم الآخرين، بل يرفعونهم». أما المشرفة مريم فكانت تعاملني كأنني من أهل البيت، تعد أكلاتي المفضلة وتترك لي عبارات تشجيعية. وحتى صالح السائق بدأ يشاركني قصصًا عن ابنته التي تركت زواجًا سيئًا قبل سنوات: «طلب الأمر شجاعة»، قال لي ذات مساء، «لكنها سعيدة الآن، لديها وظيفة جيدة وشقة جميلة ومع رجل يحترمها. هذا ما تستحقينه أنتِ أيضًا يا آنسة مريم». لاحظت أنه توقف عن مناداتي بنورة، وبطريقة ما وخلال أيام قليلة أصبحت فردًا من هذا البيت حقاً. في هذه الأثناء، كان طارق يتصل ببيت أمي بانتظام. وأمي المحتارة والقلقة تركت لي رسائل على هاتفي الذي كان بحوزة طارق. استطاع فريق فاطمة استخراج هاتف جديد برقم جديد لي، فاتصلت بأمي أخيراً. «مريم! الحمد لله! طارق قال إنكِ مفقودة وبلغ الشرطة! أين كنتِ؟» أخذت نفسًا عميقًا: «أمي، أنا بآمان وأقيم مع صديقة. طارق لم يخبركِ بالحقيقة عما حدث». شرحت لها كل شيء، فصمتت أمي لبرهة طويلة. «يا حبيبتي، أنا آسفة جدًا... كنت أعلم أنه صعب المعاشرة لكنني لم أظن الأمر بهذا السوء. لماذا لم تخبريني؟» «لأنه جعلني أشعر أنني أنا المشكلة، وأنني أبالغ». «تعالي واقيمي معي الآن، لا يهمني أنني أتعافى من العملية، أنتِ ابنتي». «في الحقيقة يا أمي أنا في مكان جيد حاليًا ولديكِ مساعدة حقيقية. لكن أريدكِ أن تفعلي شيئًا: إن اتصل طارق مجددًا، أخبريه أنكِ اطمأننتِ عليّ وأنني بخير، لكن لا تخبريه بمكاني. هل تستطيعين؟» وافقت أمي رغم القلق الذي سمعته في صوتها. في اليوم الخامس، أعلنت فاطمة أن الوقت قد حان للمرحلة التالية من خطتها. قالت على الإفطار: «هناك حفل تكريمي خيري هذا المساء، إنه لصالح مستشفى الأطفال وهو أكبر حدث اجتماعي في الموسم. كل الشخصيات المهمة ستكون هناك». قلت دون أن أفهم مغزى كلامها: «يبدو هذا جميلًا». «معرض السيارات الذي يعمل به طارق هو أحد الرعاة، مما يعني أن طارق سيكون هناك حتمًا، وغالبًا مع مديرة شركته تلك المرأة منيرة التي اكتشفت أمل أمرها». بدأ قلبي يخفق بقوة: «تريدين مني الذهاب؟ لا أستطيع، لست مستعدة لرؤيته». قالت بلطف: «بل أعتقد أنكِ مستعدة، لكن ليس كزوجة طارق المستكينة التي يستطيع إخافتها، بل ستأتين كحفيدتي ووارثتي. سنريه ونري الجميع في تلك القاعة أي امرأة تخلّى عنها عند موقف الحافلات». «ليس لديّ ما أرتديه لمناسبة كهذه». «اتركي التفاصيل لي. جهزت مريم كل شيء مع خبيرة تجميل لتأتي غدًا. وأما عن التصرف، فكوني طبيعتكِ فقط؛ ذاتكِ الحقيقية لا النسخة الضئيلة التي حاول طارق صنعها. ثقي بي يا ابنتي، ستشرقين». في تلك الليلة وأنا مستلقية على السرير، فكرت في الحفل. كنت مرعوبة، لكنني كنت أشعر بشيء آخر لم أشعر به منذ سنوات: كنت غاضبة، ومستعدة للتوقف عن الاختباء. وصل مساء السبت أسرع مما توقعت. قضت خبيرة التجميل ثلاث ساعات في تجهيزي؛ رفعت شعري بتسريحة أنيقة مع خصلات ناعمة تطوق وجهي، وكان المكياج متقنًا ويبرز ملامحي، أما الفستان الزمردي الداكن فكان ينساب كالماء ويجعلني أبدوا كشخص آخر كدت لا أعرفه في المرآة. قالت فاطمة عندما نزلت: «تبدين رائعة يا ابنتي». كانت ترتدي فستانًا فضيًا فاخرًا، ورغم كف بصره، كانت تتحرك بثقة مطلقة. اعترفت لها: «أنا مرعوبة». «جيد، هذا يعني أن الأمر يهمكِ. لكن تذكري: أنتِ لا تذهبين لاستعادة طارق، بل لتريه ما الذي خسره. وهناك فرق كبير». قاد بنا صالح إلى القاعة. وعندما توقفنا عند المدخل، رأيت المصورين وأناسًا يرتدون ملابس فاخرة يسيرون على السجادة. همست: «لا أستطيع فعل هذا». أمسكت فاطمة بذراعي بثبات: «بلى تستطيعين. ارفعي رأسكِ، أنتِ تنتمين إلى هنا تمامًا كأي شخص آخر». خرجنا من السيارة وفورًا ومضت فلاشات الكاميرات. عرف الناس فاطمة المكتوم فورًا وسرت الهمسات في القاعة. كانت المساحة ضخمة ومزينة بالزهور والأضواء. شعرت بأنني غريبة تمامًا عن هذا العالم. ثم رأيته. كان طارق يقف بالقرب من المنصة مع امرأة بفستان أحمر؛ منيرة مديرة شركته. كان يضحك معها ويبدو مرتاحًا وسعيدًا جدًا، لا يبدو كرجل زوجته مفقودة منذ أسبوع ولا كرجل يهتم أصلًا. استقر شيء بارد في صدري: هذا هو على حقيقته، وأنا قضيت خمس سنوات أختلق له الأعذار. جالت عينا طارق في القاعة حتى وقعتا عليّ. رأيت وجهه يتغير: اندهاش، ثم صدمة، ثم ذعر. سقط كاس العصير من يده وتحطم على الأرض، وبدأ يشق طريقه وسط الجمع نحونا وتبعه منيرة مستاءة. قال وصوته عالٍ جدًا جعل الناس يلتفتون: «مريم؟! أين كنتِ بحق السماء؟ لقد كنت قلقًا عليكِ وبلغت الشرطة!» تقدمت فاطمة خطوة أمامي وصوتها هادئ لكنه يخترق القاعة: «عذرًا يا شاب، هذه نبرة غير لائقة لتتحدث بها مع حفيدتي». طرف طارق بعينيه: «حفيدتكِ؟ عما تتحدثين يا مريم؟ ماذا يجري؟» قالت فاطمة وصوتها كالثلج: «لا بد أنك أنت الزوج... الذي تخلّى عن مريم عند موقف الحافلات في أسوأ منطقة بالمدينة دون مال ولا هاتف. قل لي، هل هذه هي طريقتكِ المعتادة في معاملة زوجتكِ؟» توقف الناس حولنا عن الكلام، والجميع يستمعون. احمرّ وجه طارق: «هذا ليس... كان مجرد سوء فهم! مريم، قولي لها! قولي لهم إنه مجرد سوء فهم!» وجدت صوتي، وخرج أقوى مما توقعت: «سوء الفهم الوحيد كان ظني أنك رجل صالح. لقد تركتني هناك لتعلمني درسًا يا طارق، كانت هذه كلماتك بالحرف». «أنتِ تبالغين! كنت سأعود لأخذكِ، أردتكِ فقط أن تفكري في عاداتكِ في الإنفاق!» «عاداتي في الإنفاق؟» شعرت بالغضب يرتفع في صدري ساخنًا وقويًا: «اشتريت بقاليات وهدية لأمي المريضة! بينما كنت أنت تنفق آلاف الريالات لتأخذ امرأة أخرى إلى مطاعم وفنادق فاخرة!» شحب وجه منيرة، وانشهق أحد الحاضرين بالقرب منا. كان طارق يبدو وكأنه يتمنى أن تتشقق الأرض وتبتلعه. لعثم طارق: «هذا ليس... كيف عرفتِ...» ظهرت أمل، محامية فاطمة، بجانبنا؛ إذ كانت في الحفل تنتظر هذه اللحظة. سلمت طارق ملفًا أسود. «هذا الملف يحتوي على وثائق بالإساءة المالية والسحوبات من الحسابات المشتركة دون علم زوجتك، وأدلة على الخيانة. الموكلة مريم العلي عينت ممثلاً قانونيًا، وأي تواصل مستقبلي يجب أن يكون عبر مكتبنا». حدق طارق في الملف. ابتعدت منيرة عنه وهي تنظر إليه باشمئزاز. فهست منيرة بغضب: «طارق! قلت لي إنك منفصل وإنها تركتك! هذا تصرف غير مقبول إطلاقًا، سنتحدث عن وضعكِ الوظيفي يوم الاثنين!» مشت بعيدًا وتبعها عدد من موظفي معرض السيارات وهم يهزون رؤوسهم. التفت طارق إليّ يائسًا: «مريم، أرجوكِ... نستطيع حل هذا. ارتكبت أخطاء ولكن نستطيع إصلاحها، لا تهدمي خمس سنوات زواج!» نظرت إليه، نظرت إليه بحق؛ ورأيت التفكير والحسابات في عينيه. لم يكن نادمًا على ما فعله، بل كان نادمًا لأنه كُشف، ولأنه أُهين أمام أشخاص يهمونه. قلت له بهدوء: «أنت من هدم زواجنا عندما تركتني عند موقف الحافلات. هدمته في كل مرة جعلتني أشعر فيها بأنني بلا قيمة، في كل مرة تحكمت بأموالنا، وفي كل مرة اخترتها هي عليّ. أنا انتهيت يا طارق، وستسمع من محاميتي بشأن الطلاق». «لا تستطيعين تحمل تكاليف الطلاق، أنتِ لا تملكين شيئًا بدوني!» ضحكت فاطمة ضحكة عالية وأنيقة: «يا شاب، لديّ عشرات المحامين في مكتبي، ومريم ستحصل على أفضل تمثيل قانوني يمكن للمال شراؤه. والآن أقترح عليك المغادرة قبل أن يخرجك الحراس». نظر طارق حوله إلى الوجوه الغاضبة والمستنكرة التي شهدت إهانته كاملة، ثم التفت وركض تقريبًا خارج القاعة. عادت الموسيقى للعمل واستؤنفت الأحاديث. تقدم عدة أشخاص للتعرف عليّ ومصافحة فاطمة وإخباري بشجاعتي. في وقت لاحق من تلك الليلة، في مكتب فاطمة بالقصر، جلست معها. سألتني: «كيف تشعرين؟» قلت متفاجئة من إجابتي: «أخف... وكأنني كنت أحمل شيئًا ثقيلًا لسنوات ووضعته أخيراً». «هذا صحيح تمامًا. والآن لدينا أمور عملية؛ ستتولى أمل إجراءات الطلاق، ولكن ماذا بعد؟ هل فكرتِ فيما تريدين فعله بحياتكِ؟» كنت أفكر في الأمر: «أحب الكتب، وأحب مساعدة الناس على اكتشاف القصص في المكتبة. كنت أستمتع دائمًا ببرامج محو الأمية ومساعدة الكبار على التعلم». ابتسمت فاطمة: «جميل أن تذكري ذلك. مؤسسة المكتوم الخيرية تبحث عن شخص ليدير برامج التعليم ومحو الأمية، شخص يهتم بالرسالة حقًا وليس فقط بالراتب. الوظيفة تأتي براتب ممتاز ومميزات وفرصة لإحداث تغيير حقيقي. هل تهمكِ؟» حدقت فيها: «فاطمة... لقد فعلتِ الكثير بالفعل!» «أنا لا أفعل هذا من باب الصدقة يا مريم، بل لأنكِ مؤهلة وشغوفة وأنا أثق بكِ. وأيضًا — وبشكل أناني — أصبحت أحب وجودكِ معي، فهذا البيت الكبير يصبح موحشًا». امتلات عيناي بالدموع، لكنها كانت دموع فرح هذه المرة: «يشرفني ذلك! شكراً لكِ على كل شيء، لقد أنقذتِ حياتي في ذلك اليوم عند موقف الحافلات». ضغطت فاطمة على يدي: «لا يا ابنتي، أنتِ من أنقذتِ نفسكِ. أنا فقط وفرت لكِ مكانًا آمنًا لتهبطي فيه بينما تتذكرين من تكونين حقًا. القوة كانت في داخلكِ دائمًا». بعد ثلاثة أشهر، كنت أقف في مكتبي الجديد بمؤسسة المكتوم. اكتمل الطلاق وحصلت على حقي من كل ما حاول طارق إخفاءه إضافة إلى تعويض. لكن الأهم من ذلك أنني استرددت نفسي. اتصلت بي أمي لتقول إنها لم تكن فخورة بي هكذا من قبل. وتواصل معي أصدقائي القلائل المتبقون يعتذرون لأنهم لم يلاحظوا ما كان يحدث. كما أصبح بعض معارف فاطمة أصدقاء لي أيضاً، وأصبحت فاطمة نفسها بمثابة الجدة التي طالما تمنيتها؛ قوية وحكيمة وداعمة بلا شروط. في ذلك بعد الظهيرة، كنت أراجع طلبات المنح عندما ظهرت فاطمة عند باب مكتبي. سألتني: «كيف يمر أسبوعكِ الأول؟» «رائع! وافقت على تمويل ثلاثة مراكز جديدة لمحو الأمية اليوم». «ممتاز! والآن لديّ سؤال: ما رأيكِ في أن نجعل اتفاقنا رسميًا؟ أود تحديث وصيتي لأضمكِ إليها، ليس كحفيدة صورية للعرض، بل كفرد حقيقي من العائلة». مشيت عبر الغرفة وعانقتها بقوة: «يشرفني ذلك... أنتِ عائلتي بالفعل». وأنا أقود سيارتي عائدة في ذلك المساء إلى شقتي الخاصة التي استأجرتها براتبي، مررت بموقف حافلات. كانت هناك امرأة تجلس بمفردها وتبدو تعبة وحزينة. توقفت بجانبها. قلت لها من النافذة: «عذرًا، هل تحتاجين إلى مساعدة للتنقل؟» رفعت المرأة رأسها متفاجئة: «أنا فقط أنتظر الحافلة، متجهة إلى وسط المدينة». «يسعدني أن أوصلكِ إن أردتِ». ترددت ثم ابتسمت وركبت. وأثناء الطريق، أخبرتني أنها تركت خطيبها للتو لأنه كان يعاملها بأسلوب سيئ، وكانت خائفة لكنها مصممة على البدء من جديد. أعطيتها بطاقتي في مؤسسة المكتوم: «لدينا برامج تساعد النساء في المراحل الانتقالية؛ تدريب وظيفي، ثقافة مالية، واستشارات قانونية. اتصلي بهذا الرقم يوم الأحد وسنساعدكِ». نظرت إلى البطاقة والدموع في عينيها: «لماذا تتصرفين بلطف مع غريبة؟» فكرت في ظهر يوم الثلاثاء الفظيع ذاك، وفي مقعد موقف الحافلات ويد امرأة مسنة دافئة وثابتة، وفي الكلمات التي قيلت لي بأن القوة كانت دائمًا في داخلي. قلت لها: «لأن شخصًا ما كان لطيفًا معي ذات يوم عندما كنت في أشد الحاجة إلى ذلك... وذاك اللطف غيّر كل شيء». النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد