الجزء الثاني والاخير في غضون ثلاثة أسابيع، أعادت تنظيم مفاوضات الموردين لثلاثة قطاعات. لم تفصل الموظفين بنفسها إذ لم تكن تملك تلك السلطة، لكنها حددت محاسباً واحداً كانت أرقامه تفشل مراراً في التوفيق الأساسي. أمر كاسر بمراجعة داخلية، ووجد المراجع اختلاساً. أحضر كاسر النتيجة لإيثار: — كنتِ على حق. — لا. قرأت التقرير: — المراجع كان على حق. — أنتِ من نبهتِ لها. — أنا نبهتُ لعدم اتساق. — أنتِ ترفضين الإطراء بحدة. — أنا أفضّل الدقة. درسها كاسر: — حسناً.. شكوككِ كانت في محلها. — أفضل. أُنهيت خدمات المحاسب وأُحيل للجهات القانونية دون حوادث درامية أو انتقام خفي. لاحظت إيثار ذلك: — هل هذا بسببي؟ نظر كاسر إليها: — لا. جيد. تابع كاسر: — هذا لأن الأعمال الرسمية لا يمكن أن تصبح نزيهة بينما أعامل السرقة كخلاف شخصي. أفضل وأفضل. صارت الأسابيع أشهراً، وتطور إيقاعهما دون إعلان؛ كاسر يدير العمليات، وإيثار تدير الاستراتيجية المالية في حدود الأنشطة التي وافقت على مسّها. كانا يتجادلان كثيراً. وكان أول شجار حقيقي يتعلق بالأمن؛ إذ اكتشفت إيثار أن رجلين تبعاها عند ذهابها للقاء محاسب مستقل. واجهت كاسر في ذلك المساء: — أنت وضعتَ حراسة عليّ دون إخباري. — حماية. — دون إخباري. — ذهبتِ بمفردكِ. — نعم. — أنتِ زوجتي. — هذا ليس بروتوكولاً أمنياً. تصلب فكه: — هناك أناس قد يستخدمونكِ للوصول إليّ. — إذن اشرح المخاطر. — لقد شرحتها للتو. — لا، أنت شرحتها بعد المراقبة. وقف كاسر خلف مكتبه: — أنا مسؤول عن سلامتكِ. — لا. تغير وجهه، فتابعت إيثار: — أنت مسؤول عن التهديدات التي يخلقها عالمك، وأنا مسؤولة عن تحديد كيف أجيب عليها. — لا يمكنكِ اتخاذ قرار واعٍ إذا لم تفهمي— — بالضبط! ساد الصمت، وسمع نفسه. طوت إيثار ذراعيها: — لا يمكنك ادعاء أنني أحتاج لمعلومات بينما تحجبها عني. نظر كاسر نحو النافذة؛ كان البحر مظلماً خلف الزجاج. قال أخيراً: — كان هناك تهديد موجه لأفراد العائلة الأسبوع الماضي. — من أي نوع؟ — رسالة تذكر المقر وجدول تنقلاتي. — هل ذكرتني بالاسم؟ — لا. — هل ذكرت الزوجات؟ — نعم. — وقررتَ أن يتبعني حراس. — نعم. — هل كنتُ سأوافق لو طلبتَ مني؟ نظر إليها: — على الأرجح. — إذن لماذا لم تفعل؟ أخذت الإجابة وقتاً أطول: — دافع العادة. كان ذلك صادقاً. هزت إيثار رأسها: — غيّر هذه العادة. في الصباح التالي، سلمها كاسر إيجازاً أمنياً مكتوباً: المخاطر، الأسماء المحجوبة حيث يلزم، الاحتياطات المقترحة، والخيارات. اختارت إيثار سائقاً واحداً خارج المدينة وحارسين فقط في المناسبات العامة الكبيرة. لا أحد يتبعها في الاجتماعات، ولا أجهزة تتبع مخفية. كره كاسر نصف الشروط، لكنه احترمها كلها.. وكان ذلك هو الأهم. ظل زواجهما منفصلاً جسدياً؛ ليس ببرود أو جفاء، بل ببساطة «غير مكتمل». كانا يأكلان معاً معظم الليالي، ويعملان بجانب بعضهما حتى الواحدة صباحاً أحياناً. تعلم كاسر أن إيثار تحب الكمثرى وتكره التفاح، وتعلمت هي أنه يشرب قهوة شديدة السواد تسميها أم سعد سراً «المذيب الصناعي». تعلم أنها تعد درجات السلم عندما تكون قلقة، وتعلمت هي أنه يفرك الندبة فوق حاجبيه عندما يفكر. لم يذكر أي منهما أول مرة تلامست فيها أيديهما فوق بيان نقل، لكن كلاهما لاحظ. بعد شهر، ترك كاسر كلمة واحدة على هامش تقرير من اثنتين وأربعين صفحة: «عبقري.» حدقت إيثار فيها أطول مما أرادت، ثم قطعت نسخة من الصفحة واحتفظت بها داخل دفترها الشخصي؛ أمرٌ محرج، لكنه حقيقي. في إحدى ليالي كانون الثاني، رفعت إيثار رأسها عن مكتبها لتجد كاسر نائماً فوق عقد من العقود. ولأول مرة، لم يكن وجهه يحمل سيطرة، بل مجرد إرهاق. وقفت، وأخذت معطفه الصوفي من على الكرسي، ووضعته على كتفيه. فتح عينيه فوراً: — آسف. — على ماذا؟ — لأنني أيقظتكِ. — لم أكن نائمة. — كنتَ تشخر. بدا عليه الاستياء: — أنا لا أشخر. — لقد انهارت مصداقيتك. كاد أن يبتسم: — أرقام الشحن... — يمكنها الانتظار. نظر إليها، فقالت: — اذهب للنوم يا كاسر. كانت هذه أول مرة تستخدم فيها اسمه المجرد دون ألقاب. تغير شيء في الهواء، لاحظه هو، ولاحظته هي. — ليلة سعيدة يا إيثار. عادت إلى مكتبها ولم تنظر إليه لعدة دقائق، لأن الرغبة كانت قد دخلت الغرفة.. بهدوء، ودون دراما، ولم تكن متأكدة مما تفعل بها. بعد أسبوعين، سأل كاسر السؤال الذي تجنبت إيثار سؤاله لنفسها: — لماذا جئتِ إلى قاعة الفرح؟ كانا يعملان في وقت متأخر، والمطر يضرب النوافذ. وضعت إيثار قلمها جانباً: — لقد أخبرتك. — لا. — أنت لم تسأل من قبل. — أنا أسأل الآن. استندت إلى الخلف: — أردتُ أن أشاهد. — زفافي؟ — سرقوه. لم يقل شيئاً. — أردتُ أن أراهم يأخذون الشيء الأخير. — لماذا؟ — لأنني تعبتُ من التظاهر بأنني لستُ غاضبة. لانت ملامح كاسر. — ظننتُ أنني إذا وقفتُ هناك وشاهدت، ربما أتوقف أخيراً عن تحويل كل إهانة إلى مهمة جديدة. — بماذا شعرتِ؟ — بأنني خفية.. لا يراني أحد. انتظر. — حتى وصلتَ أنت. — وماذا بعد؟ فكرت إيثار: — الفضول. تحرك فمه: — الفضول فقط؟ — في البداية. نظر كاسر نحو أوراق التحالف القديمة المكدسة في درج مغلق: — أنا قرأتُ مذكرة النقل الخاصة بكِ إحدى عشرة مرة. رمشت بعينيها: — إحدى عشرة مرة؟ — نعم. — هذا إفراط. — كانت ممتازة. — كان بإمكانك فهمها في ثلاث. — فهمتها في واحدة. — إذن لماذا إحدى عشرة؟ نظر إليها: — لأنني لم ألتقِ قط بشخص يجادل محاميّ عبر الحواشي السفلية. — هذا يبدو كقصور شخصي منك. — أنا صححته. ساد الصمت، ثم تابع كاسر: — أنا عرفتُ خط يدكِ قبل أن أعرف وجهكِ. تغير نفس إيثار، ولم يبتعد هو: — عرفتُ كيف تبنين الحجة، وكيف ترفضين وضع افتراض دون إرفاق مصدر. كانت ترقبه، فقال بصوت أكثر انخفاضاً: — عندما اقترح والدكِ الزواج، توقعتُ ترتيباً سياسياً. — هذا ما كان عليه الأمر. — نعم.. في البداية. هناك.. تغير ثقل الكلمات بينهما. تابع كاسر: — ثم وصلت تلك الصفحات. — هل وقعتَ في حب ملحق مالي؟ — لا. جيد. — أصبحتُ مهتماً بالشخص الذي كتبه. استند إلى الخلف: — الاحترام جاء أولاً. لم تقل إيثار شيئاً. — ثم جاء يوم الزفاف. — ما به؟ — وقفتِ في الظلال بعد أن أهانتكِ عائلتكِ، وعندما مشيتُ نحوكِ، لم تخفضي عينيكِ. ضاق حلقها، فنظر كاسر إلى أصابعها الملطخة بالحبر: — قضيتُ حياتي في غرف يصبح فيها الناس أي شيء يظنون أن السلطة تريده. عادت عيناه إلى عينيها: — أنتِ لم تفعلي ذلك. حاولت إيثار استخدام المزاح لأن البديل بدا خطيراً: — كنتُ غاضبة أكثر من اللازم. — بالضبط. ضحكت بخفة، لكن كاسر لم يضحك: — أنا لا أريدكِ لأنكِ أنقذتِ أعمالي. كان صوته حذراً: — أنا أريدكِ لأنكِ الشخص الوحيد في هذا البيت الذي لم يعامل سلطتي قط كدليل على أنني على حق. نظرت إيثار إلى الأسفل؛ وصلت الكلمات إلى الجزء المغلق منها، المكان المبني من ستة وعشرين عاماً من كونها نافعة ولكن نادراً ما تختار. — كاسر. — نعم. — أنت تجعل هذا صعباً. — أعرف. — هذا ليس اعتذاراً. — لا. مد يده عبر المكتب، لم يأخذ يدها، بل انتظر. نظرت إيثار إليها، ثم وضعت أصابعها في يده. أغلقت يده برفق: — أنتِ لم تكوني خفية بالنسبة لي أبداً. دمعت عيناها، وكانت تكره ذلك: — أنا التقيتُ بكَ في أروقة قاعة الفرح. — عرفتُ عقلكِ قبل ذلك. — لم تكن تعرفني. — لا. هز رأسه: — أعرف أكثر الآن. استمر الصمت، ثم سحبت إيثار يدها؛ ليس رفضاً، بل مساحة. وسمح لها كاسر بذلك.. جيد. وصلت رسالة آل الصراف في شباط؛ دون ختم عائلي، مجرد مظروف من شركة إعادة هيكلة. عرفت إيثار اسم المحامي، ففتحت الرسالة، وقرأت الصفحة الأولى ثم الثانية، وبحلول الثالثة فهمت كل شيء. كان والدها يخفي ديوناً والتزامات، ليس فقط عن كاسر، بل عنها هي أيضاً. جدول الديون المجمع أظهر أن توفيق كان قد رهن منزل العائلة مرتين عبر كيانات مختلفة، وأجّل مدفوعات الموردين، واستدان بضمان مستودعات، واستخدم ائتمانات جديدة لتغطية التزامات قديمة. لم تكن تجارة آل الصراف ممرورة بأزمة مؤقتة، بل كانت مفلسة فعلياً قبل الزفاف بوقت طويل. جلست إيثار دون حركة. دخل كاسر المكتب ورأى وجهها: — ماذا حدث؟ دفعت الجدول عبر المكتب. قرأ كاسر، وتصلبت ملامحه: — هذا يعود لما قبل التحالف. — نعم. — لم يفصح عنه أبداً. — لا. — أنتِ لم تكوني تعرفين. — لا. كان ذلك مؤلماً، أكثر مما ينبغي؛ لقد أدارت حسابات العائلة لسنوات، كيف فاتها ذلك؟ رأى كاسر السؤال في عينيها: — لا تفعلي. نظرت إليه: — ماذا؟ — لا تحولي احتياله إلى فشل منكِ. تصلب فك إيثار: — أنا كنتُ أحتفظ بتلك الدفاتر. — أنتِ احتفظتِ بالدفاتر التي أعطاكِ إياها. — كان عليّ أن— — لا! ارتقى صوت كاسر: — لا يمكنكِ مراجعة ديون أُخفيت بتمويه خارج سلطتكِ. حدقت فيه، فتابع كاسر: — أنتِ لم تفشلي لأن أحداً كذب خارج نطاق السجلات التي سُمح لكِ برؤيتها. ساد الصمت. عادت إيثار بنظرها إلى جدول الديون؛ السر المركزي أصبح واضحاً: لم يستبدل والداها ديما لمجرد أنهما يريانها أبهى حسناً، بل كانا بحاجة لثروة كاسر. توفيق افترض أن الزواج سيجلب رأس مال الورداني إلى تجارة الصراف، وأراد لديما المكاسب الاجتماعية، ولإيثار البقاء في البيت لإصلاح الشركة. ابنة للواجهة، وابنة للعمل، وكاسر للإنقاذ. لم تكن مجرد محاباة، بل كانت خطة.. غبية، لكنها خطة. ضحكت إيثار مرة واحدة، دون أي مرح فيها. انتظر كاسر. — والدي ظن أنه يستطيع الاحتفاظ بي والحصول عليك. — نعم. — ظن أن ديما تستطيع تأمين الزواج بينما أستمر أنا في التعامل مع الديون. — نعم. — ولم يخبرني بالدين الحقيقي أبداً. — نعم. غطت إيثار عينيها لوهلة، ثم أنزلت يديها: — ماذا يحدث الآن؟ نظر كاسر إليها: — ماذا تريدين أن يحدث؟ ها هو مجدداً.. ليس «سأتولى الأمر»، ولا «والدكِ انتهى»، بل «ماذا تريدين؟» قرأت إيثار رسالة الدائنين مجدداً: — يسألون عما إذا كانت مؤسسة الورداني ستضمن خطة إعادة الهيكلة. — نعم. — هل ستفعل؟ — إذا طلبتِ مني ذلك. درسته ملياً: — كنتَ ستفعل؟ — نعم. — لماذا؟ — لأنه قد تكون لديكِ أسبابكِ. — ليس لديّ أسباب. لم يقل كاسر شيئاً، فتابعت إيثار: — إذا ضمنتها، فلن يتعلم أبي أي شيء. — على الأرجح. — سيحتفظ بالمنزل. — ربما. — وسيستمر في التظاهر. — نعم. — والموردون سيتحملون المخاطرة مجدداً. — نعم. طوت إيثار الرسالة: — لا. هز كاسر رأسه: — موافق. — أريد أن يُعرض عليهم خيار إعادة هيكلة قانوني واحد. — بأي شروط؟ — بيع الأصول غير الأساسية. — موافق. — إفصاح كامل للدائنين. — موافق. — محاسبة مستقلة. — موافق. — توفيق يتنازل عن السلطة التنفيذية. رفع كاسر حاجبه: — سيرفض. — أعرف. — أي شيء آخر؟ — لا ضمانات من الورداني. هز كاسر رأسه: — تم. — لم ينتهِ الأمر. انتظرت، فتابعت: — اسمي لا يظهر على العرض. — لماذا؟ — لأن هذه ليست انتقاماً. أصبح صوتها أكثر ثباتاً: — وليست إنقاذاً.. هذا خيار تجاري تجريدي يجب على أي شركة مفلسة قبوله إذا أرادت البقاء. ابتسم ابتسامة خفيفة: — ها أنتِ ذا. رفض توفيق الصراف العرض، بالطبع فعل. اتصل بإيثار ثلاث مرات، وأجابت في الرابعة: — زوجكِ يهينني! — زوجي لم يتحدث إليك. — أنتِ تعرفين ما أعنيه! — نعم أعرف. — كان بإمكانكِ إصلاح هذا. — نعم. ساد الصمت؛ لم يتوقع توفيق هذه الإجابة: — إذن أصلحيه! — لا. ارتفع صوته: — إيثار! — أنت أُخفيت الديون عني. — أنا حميتكِ! — استخدمتَ كيانات وهمية لإبقاء الديون خارج الدفاتر التي أدرتها أنا. — تلك كانت ترتيبات مالية معقدة! — كان ذلك خداعاً. — تظنين لأنكِ تزوجتِ الورداني أنكِ تفهمين التجارة الآن؟ كادت إيثار أن تبتسم: — لا.. كنتُ أفهمها قبل ذلك. تنفس توفيق بحدة: — أنتِ تدينين لهذه العائلة! ها هي السلسلة الأقدم. نظرت إيثار نحو مياه الساحل: — لا. — نحن ربيناكِ! — أنتم ربيتم ديما.. ودربتموني أنا. توقف: — هذا كلام قبيح. — هذا كلام دقيق. — أمكِ مكسورة الخاطر. — هذا مؤسف. — وأختكِ بلا مستقبل. — تلك ليست مسؤوليتي. — ستتركيننا نفقد المنزل؟ — أنا لا أجعلك تفقد أي شيء. — كان بإمكانكِ إيقاف ذلك. — نعم. — ولن تفعلي؟ أغلقت إيثار عينيها: — لا. انخفض صوت توفيق: — لماذا؟ — لأنني في كل مرة كنتُ أنقذك فيها، كنتَ تستخدم الإنقاذ كإذن للاستمرار في الفعل نفسه. ساد الصمت، فأضافت: — أنا انتهيتُ من تمويل رفضك للتغيير. أنهت المكالمة، وكانت يداها ترتجفان بعد ذلك. وجدها كاسر واقفة عند النافذة، لم يمسسها بل سأل: — هل تريدين وجودي هنا؟ هزت إيثار رأسها: — نعم. وقف بجانبها، وكان ذلك كل شيء. انهارت إعادة هيكلة آل الصراف في غضون ثلاثة أشهر. أجبر الدائنون العائلة على بيع الأصول، فذهب المنزل أولاً، ثم مستودعان. فقد توفيق السيطرة التنفيذية على أي حال، ولكن لاحقاً وبشروط أسوأ. انتقلت ليلى معه إلى شقة مستأجرة في أطراف المدينة. ولأول مرة في حياتها، أخذت ليلى عملاً بمقابل تنظم فيه المخزون والحسابات لتاجر تجزئة صغير. وعندما سمعت إيثار، شعرت بسخرية غريبة، ليس تشفياً بل تعجباً. حياة ديما تغيرت أيضاً؛ لم تتزوج كاسر بالطبع، والحديث عن حادثة قاعة الفرح تبعها لأشهر. تركت شقة والديها لاحقاً وعملت مع مصممة أزياء في العاصمة. تلك التفصيلة فاجأت إيثار. ثم، بعد عام تقريباً، تزوجت ديما من أردني أرمل في الأربعينيات يملك سلسلة فنادق صغيرة؛ ليس صاحب نفوذ مظلم، ولا تحالف عائلات، بل رجل هادئ لديه طفلان وتجارة تحتاج لمن يجيد الترحيب بالضيوف. ما إذا كانت ديما سعيدة، لم تكن إيثار تعرف، لكنها أملت ذلك.. وكان ذلك مفاجئاً لها أيضاً. رسالة بيع الأصول الأخيرة لآل الصراف وصلت في مساء مطير. قرأتها إيثار، ووضعتها جانباً، وانتظرت الشعور بالنصر.. فلم تجد شيئاً. كان كاسر يرقبها من المكتب المقابل: — بماذا تشعرين؟ فكرت: — أن الأمر انتهى. ليس انتصاراً، بل انتهاءً. هز كاسر رأسه؛ أحياناً كان ذلك أفضل. بحلول ذلك الوقت، كانت أعمال الورداني قد تغيرت بوضوح؛ ارتفعت الإيرادات الرسمية بنحو ثلاثين بالمئة، وأُغلقت أو أُنهيت عمليات قديمة، ودخلت المؤسسة أسواقاً جديدة. كان كاسر قد قلل اعتماده على الأجزاء التي رفضت إيثار مسّها؛ ليس لأجلها، فقد أوضح ذلك، بل لأنه كان يريد تجارة لا تتطلب الخوف لكي تعمل، ولأن الجهات المانحة تدفع أكثر للحوكمة النظيفة، ولأن أقاربه الأصغر يستحقون إرثاً يستطيعون شرحه في الإقرارات الضريبية، ولأنه، كما قال لإيثار مرة: — تعبتُ من التظاهر بأن التقاليد القديمة هي استراتيجية. لم تحبه إيثار في أي لحظة أكثر من تلك اللحظة. ليس لأنه أصبح بلا بأس، فلم يكن كذلك؛ وظل كاسر الورداني رجلاً نافذاً بماضٍ معقد وناس حوله يفهمون العواقب بطرق أشد قسوة مما تفضل إيثار. لكنه توقف عن مطالبة إيثار بالخلط بين القوة وحسن الخُلق؛ إذ كان ينبغي إثبات الخُلق بشكل منفصل. ومع الوقت، أثبت ذلك: كان يسأل قبل تخصيص حراسة، ويخبرها عندما تتغير المخاطر، ويتقبل رفضها للمناسبات العامة. وعندما أرادت إيثار العودة للدراسة جزئياً لتأهيل مؤهلاتها المالية التي بنتها بالخبرة، لم يعلن أنه سيدفع التكاليف، بل سألها عما تريد: — أستطيع تحمله. نظرت إليه: — جيد. هز رأسه، واستخدمت هي حسابها المستقل لدفع الرسوم. أول مرة حضر فيها كاسر إحدى عروضها الجامعية، جلس في الصف الأخير دون حراسة أو تقديم. همست طالبة بجانبه: — هل تعرفها؟ فأجاب كاسر: — أنا أحاول المتابعة معها فقط. سمعت إيثار بذلك لاحقاً، وتظاهرت بأن الأمر لا يهم.. لكنه كان يهم. القبلة الأولى جاءت بعد سبعة أشهر من الزفاف؛ دون قاعة فرح، ودون إشارة ضخمة. كانا في المكتب المشترك، وكان انقطاع التيار الكهربائي قد حلّ في نصف المقر بسبب العاصفة. وزعت أم سعد القناديل برضا جاد لامرأة كانت تتوجس من الكهرباء دائماً. جلس كاسر وإيثار بجانب مصباح واحد يراجعان عقد ميناء. توقفت إيثار عن القراءة أخيراً، فلاحظ كاسر: — ماذا؟ نظرت إليه: — أنت طلبتَ الإذن عند المنصة. — نعم. — أنا قلتُ ليس بعد. — نعم. — هل تتذكر ذلك؟ — كل يوم. قفز قلبها: — كاسر. — نعم. — يمكنك تقبيل زوجتك الآن. تغير وجهه، ليس بنصر بل بحذر أكبر: — هل أنتِ متأكدة؟ — نعم. جاء من خلف المكتب، وتوقف أمامها، وانتظر ثانية أخيرة.. ثم قبلها ببطء؛ دون تملك، ودون استعراض، ودون اندفاع.. سؤالٌ أُجيب عليه. لمست إيثار وجهه، والندبة فوق حاجبيه، والفك الذي يخشاه الجميع، والشفاه التي قالت «لا» لعائلتها قبل أن تعرف ما إذا كانت هي ستقول «نعم» له. عندما ابتعدا، أسند كاسر جبهته برفق إلى جبهتها: — أخذ ذلك سبعة أشهر. — أنت غير صبور. — تزوجتكِ في عشرين دقيقة. — خطأ صححته لاحقاً عبر تحسين إجراءات العمل. ضحك.. ضحكة حقيقية. ظهرت أم سعد لاحقاً عند الباب، نظرت إليهما، ثم إلى العقد المتروك، وقالت: — سأحضر المزيد من القهوة. راقبتها إيثار وهي تغادر: — هي تعرف. — هي تعرف كل شيء. — أمر مزعج. — جداً. غرف النوم المنفصلة استمرت شهرين آخرين، ثم انتقلت إيثار؛ ليس إلى غرفة كاسر، بل إلى غرفة أكبر اختاراها معاً في منتصف المقر. وتلك التفصيلة سلت أم سعد أكثر. قالت أم سعد: — كان لديكما جناحان ممتازان. فأجابت إيثار: — أردنا أرضاً محايدة. فهزت أم سعد رأسها بجدية: — ترتيب دبلوماسي. خاتم الورداني الكبير ظل في يد إيثار طوال العام الأول، يحفظه الخيط الجلدي الناعم نفسه. عرض كاسر تعديل مقاسه، لكنها رفضت. — لماذا؟ — لأنه يذكرني. — بالزفاف؟ — بحقيقة أنه لم يكن يناسبني. بدا كاسر متحيراً، فالمست إيثار الخاتم: — قضيتُ حياتي كلها وأنا أُجبر على أشكال صُممت لشخص آخر. نظرت إليه: — كانت هذه أول مرة يخصني فيها شيء وظل لا يناسب مقاسي. — فربطتِه بخيط. — نعم. — هذا تصرف يمثلكِ جداً يا إيثار. — سأختار اعتبار ذلك إطراءً. — كان كذلك. قرب ذكرى زواجهما الأولى، استلم كاسر الإشعار النهائي بإغلاق الحساب التجاري القديم لعائلة الصراف. وضعه على مكتبهما المشترك. قرأته إيثار مرة واحدة، ثم أزاحته جانباً: — هذا كل شيء؟ — ماذا كنتِ تتوقعين؟ — لا أعرف. نظرت إليه: — قضيتُ سنوات وأنا أظن أنه إذا خسروا كل شيء أخذوه مني يوماً، سأشعر بالرد والاعتبار. — وماذا تشعرين؟ — بخيبة أمل؟ لا. فكرت: — بارتياح. هز كاسر رأسه، ثم وقف: — أعطيني يدكِ. ضيقت إيثار عينيها: — هذا يبدو كأمر خطير. — هل لي أن آخذ يدكِ؟ — أفضل. أعطته إياها، فبدأ كاسر بفك الخيط الجلدي حول الخاتم القديم. ارتفع الذعر بشكل غير متوقع: — انتظر! توقف فوراً: — ماذا؟ نظرت إيثار إلى الخاتم: — لا أريد خسارته. — لن تفقدي شيئاً. — هذا رمز الورداني. — نعم. — إنه جزء من— فهم كاسر: — القصة. هزت رأسها. جلس مجدداً ولم يزله، بل أخرج علبة مخملية صغيرة من سترته ووضعها بجانبها: — افتحيها أنتِ. نظرت إيثار إليه، ثم فتحت العلبة. في الداخل كان يربض خاتم ذهبي؛ ثقيل، بسيط، دون أحجار ودون رموز قديمة. كان النقش المحفور عبارة عن وردة اتجاهات محاطة بغصني زيتون صغيرين. حدقت إيثار: — ما هذا؟ — شيء يناسب المقاس. ضاق حلقها، فتابع كاسر: — الرمز القديم يعود لعائلتي؛ جدي ارتداه، وأبي ارتداه، وأنا ورثته. نظر إلى الخاتم الجديد: — لكنكِ لم تتزوجي أجدادي. نظرت إيثار إليه: — وردة الاتجاهات؟ — أنتِ وجدتِ مسارات لم يرَها أحد غيركِ. كادت أن تبتسم: — هذا تعبير حرفي جداً. — أنا لستُ شاعراً. — أنت تحاول. — نعم. أخذ نفساً: — أنتِ وجهتِ حركة الديون، وأعدتِ توجيه أفكاري في التجارة التي ظننتها معقدة للبدء. انخفض صوته: — وأنتِ علمتني الفارق بين حماية شخص وبين اتخاذ القرار نيابة عنه. دمعت عينا إيثار، وبدا كاسر غير مرتاح.. جيد. تابع على أي حال: — وعندما حاولت عائلتكِ جعلكِ مسؤولة عن إنقاذهم مجدداً، اخترتِ ألا تفعلي. فتح يده بجانب يدها: — أريد أن أسألكِ شيئاً كان ينبغي ربما أن أسأله بوضوح في اليوم الأول. انتظرت إيثار. — لو لم يكن هناك تحالف مع آل الصراف.. ولا مصلحة تجارية، ولا عائلات ترقب.. لو التقيتِ بي الآن، وأنتِ تعرفين ما تعرفينه، هل كنتِ ستختارين هذا الزواج مجدداً؟ ها هو السؤال.. ليس «ابقي»، ولا «أنتِ لي»، بل «هل تختارين؟» نظرت إيثار حول المكتب: مكتبان مدفوعان معاً، أكواب قهوة، دفاتر، كتبها، وملاحظاته في الهوامش، والبحر الشتوي خلف الزجاج.. الحياة التي بنياها بغير قصد ثم بقصد. — نعم. أغلق كاسر عينيه لوهلة.. ارتياح. ابتسمت إيثار: — لكن لديّ سؤال أيضاً. فتح عينيه: — بالتأكيد. — لو لم يكن هناك تحالف، هل كنتَ ستطلب؟ — نعم. — بأي سرعة؟ — فوراً. — تقدير سيئ للظروف. — أنا نجوتُ. — بالكاد. ابتسم كاسر، فمدت إيثار يدها: — يمكنك إزالة الخاتم القديم. فك الجلد، وسحب خاتم الورداني الثقيل ووضعه على المكتب، ثم أخذ خاتم وردة الاتجاهات. كان يناسب إصبعها تماماً. نظرت إيثار إليه؛ لا خيط، ولا رمز مستعار يُفرض على يدها، بل شيء اختير خصيصاً للمرأة التي أصبحت عليها. بدأ كاسر بالركوع على ركبة واحدة، فأمسكت إيثار بكمه: — ماذا تفعل؟ — كنتُ قد خططت لشيء. — هذا يدعو للقلق. بدا خجلاً تقريباً، وذاك وحده جعلها تتركه. ركع كاسر بجانب كرسيتها؛ الشخص الأكثر مهابة في معظم الغرف التي يدخلها، بات الآن في مستوى عينيها. — أنا لم أتزوج ابنة توفيق الصراف. كانت يده تمسك يدها: — أنا تزوجتُ إيثار. ضاق حلقها. — أنا لم أتزوج حسابات والدكِ.. نظر إلى أثر الحبر على إصبعها الأوسط: — ولا فائدتكِ المرجوة. لمس إبهامه الخاتم الجديد برفق: — أنا تزوجتُ المرأة التي قالت لي «لا» قبل أن تقبلني. ضحكت إيثار وسط الدموع التي فشلت في منعها، فلانت ملامح كاسر: — المرأة التي تجادل العقود. — العقود تستحق ذلك عادة. — المرأة التي تعد السلالم عندما تخاف. اختفت ابتسامتها؛ لقد لاحظ. — المرأة التي ما زالت تظن أنني لا أعرف أنها احتفظت بالصفحة التي كتبتُ فيها كلمة «عبقري». تجمدت إيثار، فابتسم كاسر: — أنتِ تعرفين ذلك؟ — أم سعد تعرف كل شيء. — سأفصلها. — لا، لن تفعل. — حسناً. رفع يدها: — أنا تزوجتُ نظيري المساوئ لي.. وفي مكان ما خلال الطريق، وقعتُ في حبها. نظرت إيثار إليه؛ لستة وعشرين عاماً، علمها الناس أن اختيار المرء يعني تلبيته لحاجة شخص آخر: كوني أبهى، كوني أهدأ، كوني نافعة، كوني شاكرة، أعدّي الحسابات، تنازلي عن الغرفة، تنازلي عن المال، تنازلي عن الفستان، وتنازلي عن الرجل لأن أختكِ الأجمل تناسبه أكثر. كاسر لم ينقذها من تلك الحياة، والفارق يهم؛ هو استوقف مراسم واحدة، وإيثار فعلت الباقي: خرجت من بيت عائلتها، فاوضت على الزواج قبل قبوله، وضعت الحدود، رفضت الحراسة المخفية، رفضت الأموال الملتوية، رفضت إنقاذ والدها من عواقب صنيعه، عادت للدراسة، بنت سلطة تخصها، اختارت الغرفة التي تشاركها لاحقاً، اختارت القبلة الأولى، اختارت الخاتم الجديد، واختارت الرجل. شبكت أصابعها الملطخة بالحبر الخفيف في شعر كاسر برفق: — يمكنك القيام. — هل لي ذلك؟ — لا تصبح مزعجاً. قام، ثم انتظر. ابتسمت إيثار: — يمكنك تقبيلي أيضاً. كانت هذه القبلة لا تشبه أي شيء توقعته قاعة الفرح في ذلك اليوم؛ لا جمهور، ولا مأذون، ولا ثوب مسلوب، ولا عائلة تتفاوض على من يستحق ماذا.. مجرد قهوة باردة، ودفاتر مفتوحة، ومطر يضرب الزجاج القديم.. وشخصان داخل بيت حجري على الساحل قضيا عاماً في تعلم أن الشراكة ليست غياب القوة، بل هي ما يحدث عندما تتوقف القوة عن التظاهر بأن لها الحق في اتخاذ كل قرار. لاحقاً، وضعت إيثار خاتم الورداني القديم داخل العلبة المخملية، ولم تلقه بعيداً؛ وظل الخيط مربوطاً حوله.. فبعض القصص لا ينبغي محوها حتى تختفي أجزاؤها الصعبة. وثوبها الأرجواني ظل في الجزء الخلفي من خزانتها أيضاً؛ باهتاً الآن، مع شق صغير في أحد الخيوط. سألتها أم سعد مرة عما إذا كان ينبغي حفظه. — لا. — لماذا؟ — لم يكن الثوب هو المهم أبداً. هزت أم سعد رأسها: — جيد. ثم أضافت بعد عام من الألفة: — كما أنه كان ثوباً قبيحاً على أي حال. ضحكت إيثار بقوة حتى دخل كاسر من الغرفة المجاورة ليسأل عما حدث. لم يكن قد حدث شيء، وكان ذلك أحد أحب الأشياء لإيثار في حياتها الجديدة: ليس كل يوم جيد يتطلب تحولاً درامياً، ولا كل عشاء يحوي خيانة، ولا كل صباح يبدأ بتكليفها بدور.. بعض الصباحات تبدأ بالقهوة فقط. في أحد صباحات الربيع، بعد ثمانية عشر شهراً تقريباً من حادثة قاعة الفرح، دخلت إيثار المكتب المشترك قبل كاسر. فتحت النوافذ، فانساب نسيم البحر المالح في الغرفة. كانت هناك كومة من خطط التوسع المراجعة تنتظر على مكتبها، وعلى رأسها ورقة بخط كاسر: اقرئي هذا قبل الفطور.. أظن أن افتراضات العاصمة خاطئة. وتحتها: ونعم، أنا أسأل، لا أكلف. ابتسمت إيثار. رفعت قلمها، وقرأت الصفحة الأولى، ووجدت المشكلة في الصفحة الثالثة؛ بالطبع وجدتها. في الهامش، كتبت: افتراضاتك سيئة جداً.. والفرصة جيدة. القهوة أولاً. وتحتها: ونعم، أنا أختار المساعدة. ظهر كاسر عند الباب بعد دقيقة؛ دون سترة، والقهوة في يديه. نظر إلى الصفحة، ثم إليها: — سيئة؟ — موضوعياً. — أنا استخدمتُ تقرير السوق. — تقرير السوق كتبه رجل يظن أن تكاليف الشحن في العاصمة تتصرف مثل الموانئ الفرعية. — لديه ماجستير إدارة أعمال. — ونصف البلاد لديهم ذلك أيضاً. ناولها كاسر كوباً: — تصلحينها؟ أخذت إيثار القهوة ونظرت إليه من فوق الكوب: — اسأل بأسلوب مناسب. تنهد بقلة حيلة مفتعلة: — هل تساعدينني في إصلاحها؟ ابتسمت: — نعم. جلسا إلى المكتب نفسه الذي دفعاه معاً تدريجياً حتى لم يعد أحد يتذكر أنهما كانا منفصلين يوماً. في الخارج، كانت الأمواج تضرب الصخور، وفي الداخل، فتحت إيثار صفحة جديدة. كان خاتم وردة الاتجاهات يستقر دافئاً في إصبعها، والحبر يلطخ اليد نفسها. أحبت ذلك؛ الخاتم تغير، والحبر لم يتغير.. ولا الشيء الذي فهمته أخيراً: أن يراكَ أحدهم ليس هو نفسه أن يختارك.. وأن يختارك لا يعني أن يمتلكك.. والحب، عندما يستحق الاحتفاظ به، لا يسحبك من الظلال ليقرر أين تنتمي.. بل يشير نحوك.. يسأل.. ينتظر.. ثم يدعك تخطو إلى الأمام بقوتك الخاصة. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد