ابن سلفتي ١ – حكايات زهرة
لمحة نيوز
أنا وقفت مكاني مش قادرة أرفع رجلي. الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي ضرب السواطير. أترميت على السرير، عيوني اتملت دموع زي المطر، وصرخة مكتومة في صدري مش عارفة أطلعها. كلامها كان صح، وده اللي كان بيقطع في جسمي.. إن راجلي بيشقَى لغيره، وإن سكوتي وحرماني مخليني شايفة تعبه بيروح لناس بتتمنى موتنا عشان تورثنا! فضلت يومين مش بدوق النوم، كلامها يرن في ودني زي الجرس: “أرض بور.. كل شقاكم لابني.. هنورثكم في الآخر!”
بعد يومين، كانت الحاجة بتخبز عيش شمسي في الحوش تحت. ولعت الفرن الطين الكبير، وحطت فيه الحطب والقش، ولعته لما النار بقت ملهلبة من جوة وزي الجحيم. فجأة الباب الخارجي خبط، فالحاجة سابت الفرن قايد وراحت تفتح تشوف مين في الوقت ده.
في اللحظة دي، أنا كنت طالعه من شقتي عشان أساعد الحاجة في الخبيز. وشوفت مشهد مش هنساه عمري كله
ابن رحمة الصغير.. الولد اللي يادوب بيتعلم المشي وبيحبى على الأرض، خرج من باب شقتهم اللي أبوه سابه مفتوح وهو طالع، وأمه كانت محبوسة في المطبخ بتعمل أكل . الولد سحل نفسه ووصل لحد الحوش، وقعد يلعب جنب باب الفرن المفتوح. وهو بيلعب، اللعبة الصغيرة اللي في إيده اترمَت جوة الفرن الملهلب!
الولد، بعقله الصغير وبخطواته المتهززة، قرب خالص من فتحة الفرن، وطبس بجسمه كله لجوة عشان يسحب اللعبة من وسط النار اللي بتاكل في الحطب!
أنا في ثانية، عقلي طار.. كنت هصرخ بكل صوتي، كنت هجري وأسحبه من هدومه قبل ما النار تاكله أو يقع في قلب الفرن..
بس في جزء من الثانية.. في أقل من رمشة عين.. رن في ودني صوت سلفتي والكلام اللي قالتهولي من يومين: “أرض بور.. شقاكي وشقى جوزك لابني ده.. هنورثكم في الآخر!”
ساعتها.. وقفت مكاني! وجسمي اتجمد، وفي اللحظة دي، عملت حاجة في حياتي كلها عمر ما خيالي كان ممكن يتصور إني أعملها…
جمدت في مكاني والوقت حسيت إنه وقف. الشيطان حضر في ثانية، وبدأ يوسوس لي بصوت سلفتي اللي كان بيرن في ودني زي الفجر: “أرض بور.. هنورثكم.. ابني هو اللي هياخد شقاكم”. عيني كانت على الولد وهو بيوطي وجسمه النحيف بيقرب من هبّة النار الملهلبة، وعقلي الشرير كان بيقولي: “سيبيه.. ربنا بياخد لك حقك.. خليها تدوق الوجع اللي ذوّقتهولك.. خلي حلمها اللي بتحلم بيه في ورثك يتحرق قدام عينها!”
غمضت عيني لحظة.. لحظة واحدة كانت الفكرة الخبيثة دي بتتسرب لجواي زي السم. مسكت في حرف الباب وجسمي كله بيتترعش، صدري كان بيترفع وينزل وسخونة النار واصلة لوشي. بس في نفس اللحظة دي، وفي أقل من جزء من الثانية، سمعت ضحكة الولد الصغير وهو بيمد إيده.. ضحكة بريئة ملهاش أي ذنب في غل أمه ولا طمعها ولا لسانها المسموم. ولد يادوب بيكتشف الدنيا، ما يعرفش يعني إيه كره ولا ورث ولا فلوس.
عقلي صرخ جوايا: “إنتي مش كده يا عليه! إنتي مش قاتلة ولا قلبك أسود.. لو سبتيه يتحرق هتفضل ناره توقد في قلبك إنتي لحد ما تموتي، وربنا مش هيرضى عنك أبداً! هتواجهي ربنا إزاي بدم طفل بريء؟!”
في لمح البصر، ومن غير ما أفكر ولا أتردد ثانية واحدة بعد الفكرة الشيطانية دي، اتفتحت عيني ودبيت في الأرض وجريت أسرع من الريح. خطفت الولد من قفاه وشداني لورا بمنتهى القوة قبل ما إيده تلمس الشعلة أو طراطيف هدومه تمسك فيها النار!
الولد اتخض وبدأ يصرخ وعيط بصوت عالٍ، وأنا مسكته في حضني وعصرته جامد وجسمي كله بيتفاض زي الفراخة المذبوحة. نزلت على الأرض بيه وأنا مش قادرة أتنفس، دموعي نزلت زي المطر.. مش عشان الفلوس ولا عشان كلام أمه، بس عشان اكتشفت إن الغل كان ممكن يحولني لمجرمة في لحظة ضعف، وعشان حسيت بقد إيه روح البني آدم غالية عند ربنا.
في الوقت ده، خرجت الحاجة أم جوزي تجري من باب الشارع على صوت صريخ الولد، ورحمة سلفتي طلعت تجري من شقتها وشها أصفر زي الليمونة لما سمعت صريخ ابنها. رحمة شافتنـي وأنا قاعدة على الأرض حاضنة الولد وببكي بحرقة والفرن ملهلب جنَبنا والولد ماسك في رقبتي بكل قوته.
جرت عليّ وشدت الولد من حضني بلهفة ورعب، وهي بتقول بصوت متقطع ووشها مجنون من الخوف: “في إيه؟! جرى إيه لابني؟! عملتي فيه إيه يا عليه؟!”