دندنة – محمد نور

وعندما حاولت إلهام منح مكافأة استثنائية له لإنهائه أزمة الكهرباء، لم يقبل طارق إلا التعويض المقرر لأي موظف يقوم بعمل خارج فئته.

— هل ما زلت ترفض مالي؟

— أنا لا أرفض أجر عملي، بل أرفض أن تدفعي لي مقابل جلوسي بجواركِ عندما كنتِ وحيدة.

ابتسمت إلهام:

— ما زلت أتعلم هذا الفرق.

ندى هي الأخرى تغيرت، إذ عادت واستقرت وبدأت جلسات حوارية مع والدتها. كانت الجلسات الأولى صعبة؛ تضمنت عتاباً وصمتاً وإلغاء لبعض اللقاءات.

في إحدى الليالي، اختلفتا لأن إلهام ردت على مكالمة أثناء العشاء.

وضعت ندى الشوكة:

— مرة أخرى.

نظرت إلهام للهاتف، وهي التي كانت ستقول سابقاً “دقيقتين فقط”، لكنها هذه المرة أغلقت الجهاز تماماً:

— معكِ حق.

نظرت إليها ندى بذهول:

— هكذا ببساطة؟

— هكذا ببساطة.

وواصلتا العشاء. بدا الأمر بسيطاً، لكنه كان كبيراً لكليتيهما.

اقترحت ندى إنشاء برنامج لمرافقة المرضى الذين يظلون في المستشفى دون أقارب، ووافقت إلهام بشرط واحد:

— لا أريد أن يحمل اسمي.

سمياه “كرسي بجانبك”.

بدأ متطوعون مدربون يزورون المرضى الوحيدين، يقرأون لهم، أو يتحدثون معهم، أو يكتفون بالجلوس في صمت.

في حفل الافتتاح، تجنب طارق الصعود إلى المسرح، فوجدته إلهام مختبئاً قرب المخرج:

— كل هذا بدأ بك.

— بدأ ببابٍ لم تكن لافتته واضحة.

— الباب كان واضحاً جداً.

ابتسم طارق:

— إذاً بدأ بضعف بصري.

تغيرت العلاقة بينهما ببطء؛ لم تكن هناك تصريحات درامية، بل كانت هناك جلسات قهوة، ونزهات بعد المناوبة، ورسائل تسأل عما إذا كانت لينا قد نجحت في الامتحان.

في إحدى الأمسيات، رافقت إلهام طارق لشراء حذاء لـ عمر، واكتشفت أن طفلاً في السادسة يستطيع قضاء 40 دقيقة للاختيار بين زوجين من الأحذية متطابقين تقريباً.

وفي ليلة أخرى، حضرت عشاءً للمجموعة ورأت طارق يتحدث مع المستثمرين بثقة تامة.

— الآن فهمت لماذا يهابكِ الجميع — مازحها وهو يخرج.

— وأنت أيضاً؟

— لا، أنا رأيتكِ تبكين لأن طفلاً قال إن مستشفياتكِ لا تلغي الإبر.

دفعته إلهام بكتفها بلطف.

بعد عام من الحادث، عادا معاً إلى الغرفة 316.

كانت فارغة.

وعلى الجدار، كانت هناك نسخة مؤطرة من رسمة لينا الأولى:

“عندما تستيقظين، سيكون هناك من ينتظركِ”.

تأملتها إلهام طويلاً:

— أتذكر صوتك قبل أن أتذكر أنني فتحت عيني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *