دندنة – محمد نور
تردد طارق، لكنه وافق على لقاء في مقهى قريب.
حضرت لينا وهي تحمل دفتر رسم تحت ذراعها، وعندما عرفت إلهام فتحت عينيها واسعتين:
— هل أنتِ السيدة التي كانت نائمة؟
— أنا هي.
أخرجت الفتاة ورقة جديدة رسمت فيها امرأة تقف أمام نافذة، وقالت:
— الآن لم تعد تعنيكِ الأسرة والمستشفى فقط، ولم تعد تلزمكِ الكراسي.
عضت إلهام على شفتيها تأثراً.
أما عمر فنظر إليها بفضول وقال:
— بابا يقول إن لديكِ مستشفيات.
— نعم.
— إذاً يمكنكِ إلغاء الحقن والإبر!
غطى طارق وجهه خجلاً، بينما ضحكت إلهام بصوت عالٍ حتى أن عدة أشخاص التفتوا نحوهم:
— أخشى أنني لا أملك هذه السلطة!
— يا لها من تجارة سيئة إذاً — تمتم عمر.
ولأول مرة منذ الحادث، ضحكت إلهام من قلبها حتى المتها بطنها.
في تلك الأمسية فهمت شيئاً لم يعلمها إياه أي مجلس إدارة: كان بإمكانها أن تقضي سنوات وهي محاطة بالإعجاب دون أن تشعر بأن هناك من يعرفها حقاً. فالأطفال لم يبهرهم منصبها؛ عمر كان يريد معرفة ما إذا كانت تفضل الشوكولاتة أم الفانيليا، ولينا سألتها إن كانت قد رسبت في الرياضيات من قبل.
وطارق كان يصحح لها كلما حاولت دفع الحساب:
— هذه المرة عليّ أنا.
— يا طارق، الحساب بسيط.
— بالضبط، وأستطيع تحمّله.
ضحكت إلهام مجدداً.
في هذه الأثناء، أجري المستشفى مراجعة شاملة للخدمات، وكانت النتائج حرجة؛ فقد حذر عمال الصيانة لشهور من أبواب معطوبة، وبلغت الممرضات عن تأخر مضخات المحاليل، وأشار عمال النظافة إلى تسريبات قرب المناطق الكهربائية، ولكن بلاغات كثيرة كانت تضيع في سلسلة بريد لا تنتهي لأن من هم “في الأسفل” لا يستطيعون الحديث مباشرة مع من يتخذون القرار “في الأعلى”.
قدم طارق اقتراحاً بسيطاً:
— من يمشون في هذه الممرضات 8 ساعات يومياً يرون المشاكل قبل المكاتب. اسمعوا لهم.
أنشأت إلهام لجنة تنفيذية تضم عمال النظافة، والصيانة، والتمريض، والإدارة لعرض المخاطر مباشرة دون المرور بخمسة مسؤولين، وألزمت الجميع بنشر متابعة كل بلاغ.
لم يعجب ذلك بعض المديرين، لكن إلهام لم تعد تبالي.
تكفلت الشركة بتكاليف التحديث المهني لـ طارق، رغم أنه اشترط أن يُتاح البرنامج لبقية العمال ممن يملكون الخبرة ولا يملكون الشهادات.
وبعد أشهر، عُيّن منسقاً فنياً للمنشآت الحيوية. وقبل المنصب لأن دوامه كان يسمح له بأخذ أطفاله أربعة أيام في الأسبوع.