دندنة – محمد نور

نظرت إليه إلهام لثوانٍ ثم قالت:

— لا، أنت من خلطت بين العائلة والإفلات من العقاب.

— كل ما فعلته كان لحماية ما بنيناه!

— نحن بنينا مستشفيات! أماكن يمكن أن تكلف فيها القراراتُ الخاطئةُ حياةَ إنسان. وبمجرد أن آمنت بأن التفتيش أهم من المريض، توقفت عن حماية أي شيء.

أشار سعيد نحو الممر:

— والآن هذا الرجل يقرر كيف تديرين الشركة؟

سمع طارق، الذي كان ينتظر بالخارج لتسليم تقرير، تلك العبارة.

فتحت إلهام الباب:

— ادخل يا طارق.

ظهر طارق وهو يشعر بالحرج:

— لا داعي لأن أكون طرفاً في نقاش عائلي.

— بل هذا مكانك تماماً.

ثم التفتت إلهام إلى أخيها:

— لأسابيع، عندما لم أكن أستطيع الكلام أو التوقيع أو إعطائك أي شيء، كان هو يجلس بجوار سريري. أما أنت، فكنت تأتي للمبنى للاجتماع بالمحامين ولم تطأ قدمك غرفتي مرة واحدة.

اصفر وجه سعيد:

— لم أكن أعلم إن كنتِ ستستيقظين!

— وهو أيضاً لم يكن يعلم.

أنهت هذه الإجابة النقاش، وغادر سعيد الغرفة دون وداع.

لم يحتفل طارق بالانتصار وقال:

— إنه شقيقكِ.

— أعلم.

— هذا يؤلم أكثر من اكتشاف عدو.

هزت إلهام رأسها مؤكدة، كان هذا هو الشعور بالضبط. طوال حياتها كانت تعتبر القسوة فضيلة، وفجأة فهمت أنها سمحت بأشياء كثيرة لمجرد أنها صدرت ممن يحملون اسم عائلتها.

استمرت رحلة التعافي.

عاد طارق إلى روتينه وتوقف عن زيارة غرفة إلهام يومياً، كي لا تُفهم زياراته كامتنان أو التزام أو مصلحة.

لكنها بدأت تفتقده.

في أحد الأيام، طلبت استدعاء فني الصيانة.

حضر طارق وهو يظن أن هناك عطلاً ما، ليجد إلهام تجلس بجوار طاولة عليها كوبان من القهوة.

— لا يوجد شيء مكسور — قال طارق.

— أتمنى ذلك.

— إذاً، لماذا استدعيتِني؟

— لأنك سابقاً كنت تأتي حين لم أكن أستطيع طلب ذلك، والآن أستطيع الطلب.

ابتسم طارق وجلس.

تحدثا لـ مدة ساعة كاملة. ليس عن المستشفيات، بل عن لينا التي أخفت درجاتها في الرياضيات لثلاثة أيام، وعن عمر الذي يريد أن يصبح رائد فضاء وإطفائياً وطباخاً في الوقت نفسه. وحكت له إلهام أن ندى تفكر في العودة النهائيّة للعيش هنا.

— أخاف أن تعود فقط لأنني أوشكت على الموت — قالت إلهام.

— قد تعود لهذا السبب فعلاً — أجاب طارق — لكن المهم هو ما ستفعلانه بعد ذلك.

بقيت إلهام سارحة في التفكير.

بعد أيام طلبت التعرف على الأطفال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *