الخديعه – محمد نور
أُجبرت مريم على إعادة المبالغ التي تلقتها من أموال زواجنا، وباعت جزءاً من ممتلكاتها لتسديد ديون مكتبها.
وحصل طارق على الحضانة الرئيسية لـ “ياسين”، مع حق مريم في الزيارة.
قال الولد كلمة في جلسة الوساطة أخرست الجميع كما نقل لي طارق:
— “أريد العيش مع أبي، لأنني على الأقل أعلم أنه يعود للبيت عندما يقول إنه عائد.”
كفت مريم عن الخصام بعد تلك الكلمة.
بعد فترة كتبَت لي.
لم تطلب الصفح.
قالت فقط إنها فهمت أخيراً حقيقة مروعة: لم تكن مغرمة بحياة أمير، بل كانت مغرمة بشعور أنها مرغوبة منه بينما يواصل طارق تحمل أعباء حياتها الواقعية.
لم أرد عليها.
خمسة عشر عاماً من الصداقة انتهت دون شجار أخير.
أحياناً لا تحتاج العلاقات لوداع صاخب..
بل تصل ببساطة للنقطة التي لم يعد فيها أي شيء يستحق الإنقاذ.
في اليوم الذي صَدر فيه عقد طلاقنا رسمياً، كان أمير ينتظرني بالخارج.
— “أين تقيمين الآن؟”
— “اشتريتُ شقة.”
— “يمكنني توفير مقاولين جيدين لكِ.”
— “لا أحتاج لذلك.”
ابتسم بحزن:
— “أنا ومريم انتهينا تماماً.”
— “هذا أمر لم يعد يعنيني.”
— “لن أتزوجها أبداً.”
وحينها أدركتُ أنه لم يفهم بعد.
— “أمير.. أنت ما زلت تعتقد أن عدم زواجك منها هو نوع من الوفاء لي. يمكنك الزواج بها غداً أو عدم رؤيتها مجدداً، قراري لن يتغير.”
صمت.
ثم قال كلمة بدت لأول مرة صادقة من قلبه:
— “عندما دخل طارق الفندق وقال لي تزوجها، شعرتُ بالرعب. كان معكِ حق.. لم أكن أخطط قط للتحمل مسؤولية حياتها. كنتُ أحب شعور أن أكون محبوباً دون دفع أي ثمن.”
نظرتُ إليه.
لم أشعر بالانتصار.
بل بنوع من السكينة.
— “أتمنى أن تكون قد تعلمت شيئاً.”
— “تعلمتُ أنكِ لم تكوني موجودة لمجرد حل مشاكلي.”
— “كان عليك استيعاب هذا مبكراً.”
وتفارقنا.
مشى هو في طريق، ومضيتُ في طريقي.
بعد شهر تلقتُ مفاتيح شقتي الجديدة.
لم تكن ضخمة، لكنها حظيت بنوافذ واسعة تطل على المدينة.
ولأول مرة، اخترتُ كل قطعة فيها دون أخذ رأي أحد.
كان أمير يفضل الأثاث الداكن دائماً.
وكانت مريم تسخر من ذوقي وتراه بسيطاً للغاية.
أما أنا، فاخترتُ خشباً فاتحاً، وجدراناً بلون الكريمة، وأريكة بجوار النافذة أقرأ عليها ليلاً.
في أحد أيام السبت، عثرتُ بين صناديقي على دفتر قديم من أيام عملي الأولى مع أمير بالشركة.