حكاية ايهاب وليلى١ – منى السيد

لمحة نيوز

سنة هيتقفل ويضيع في أسبوعين؟!
مسكت التليفون وإيدي بتترعش وطلبت الرقم المكتوب، وبعد تحويلات من سكرتيرة لسكرتير، وصلت ل محمود الهواري، المدير الإقليمي للشركة.
يا فندم المخبز دا شغال بقاله عقود وأكل عيشنا منه!
عارف يا آنسة ليلى.
وعندي صنايعية وبيوت مفتوحة، سبع تنفار برقابهم!
يا ست ليلى الموضوع مش شخصي، بزنس يعني بزنس.
لحضرتك بزنس، ليا أنا دي حياتي!
الأرض هنا قيمتها الاستثمارية أعلى بكتير من شوية عيش وفينو بيطلعوا كل يوم. حصري على صفحة روايات و اقتباسات ضغطت على سماعة التليفون بقهري
طب نتفاهم بالمعقول، راعوا ربنا فينا!
ضحك باستهزاء
معقول لمين بالظبط؟ بصي يا شاطرة.. 14 يوم وتفضوا المكان، لو جه الميعاد ولقينا حاجة جوة، المقاولين والعمال بتوعنا هينزلوا يكسروا ويرموا كل حاجة برة.
يرموا إيه؟!
الفرن، العجانات، الصاجات، الفاترينة.. كله على الرصيف.
وصوته قلب لجفاف يرعب
فنصيحة ليكي يعني، وفري على نفسك منظر حاجتك وهي متبهدلة في الشارع قدام الناس والجيران.
وقفل السكة في وشي.
الدنيا لفت بيا وركبي خابت، كان إيهاب واقف ورايا من غير ما أحس، وسمع المكالمة كلها.
دي شركة المتحدة؟
هزيت راسي والدموع محبوسة في عيني، وناولته الإنذار.
مسك الورقة وقراها، ولأول مرة من يوم ما عرفته، شوفت وشه بيتحول لكتلة تلج وقسوة عمري ما شوفتها فيه، والدفا كله طار من ملامحه.
مين كلمك وقال الكلام دا؟
واحد اسمه محمود الهواري.
صوابعه اتشنجت على الورقة وكرمش طرفها.
في إيه يا إيهاب؟ إنت تعرفه؟
مردش عليا على طول، فضل باصص للوجو الشركة، وبعدين لاسم الهواري
عارفه كويس.. عارفه أكتر ما هو عارف نفسه.
إنت اشتغلت معاهم قبل كدة؟
إيهاب طبق الورقة بهدوء غريب ومرعب، وبصلي
ليلى.. بكرة الصبح تفتحي المخبز في ميعادك عادي جداً.
بصيتله وأنا مش مستوعبة
إنت بتقول إيه؟!
اطلعي بدري، اعجني العيش، ولعي الفرن، وبيعي للناس.. كأن مفيش أي حاجة حصلت.
بقولك الراجل بيقولي هيرمي فرني وعجاني في الشارع كمان 13 يوم!
مش هيقدروا يمسوا طوبة واحدة هنا.
ضحكت بمرارة، مش هزار بس من قلة الحيلة
إيهاب.. دي شركة بميارات الجنيهات ووراها حيتان، وإحنا غلابة بنبيع قرصتين وعيش!
قرب مني خطوة وبص في عيني بجمود
بصيلي هنا.. بصيلي يا ليلى.
رفعت عيني فيه، النظرة دي كانت غريبة عليا تماماً.. نظرة راجل متعود يأمر ويطاع.
مفيش مخلوق هيقدر يشيل كرسي مكسور من المخبز دا، فاهمة؟
وإنت إيه اللي مخليك متأكد كدة وواثق في نفسك أوي؟!
بص تاني للاسم المكتوب على الإنذار اللي في إيده، وفي ثانيتين حسيت إنه خلاص هيفك اللغز ويقولي هو مين بالظبط.
بس اتنهد وقال بصوت واطي ومسموم
عشان محمود الهواري دا.. لسه عامل أكبر غلطة في حياته المهنية كلها.
الجزء الثاني
الكلمة طلعت من بقه تقيلة ورنت في سكات المخبز.. غلطة عمره.
كنت واقفة مشلولة، عيني رايحة جاية بين الورقة اللي اتكرمشت في إيده وبين وشه اللي اتبدل في ثواني من الراجل الهادي اللي بيضحك على رغيف محروق، لذئب متأهب ينهش. بس وسط كل الرعب والوجع اللي كان كابس على نفسي عشان المخبز، كان فيه حاجة تانية غريبة بتحصل جوايا.. ضربات قلبي كانت عالية أوي، مش من الخوف بس، من قربه.
الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول التلات شهور اللي فاتوا طفحت على الوش في اللحظة دي. أنا مش بس اتعودت على وجوده.. أنا من أول ليلة دخل عليا فيها متلج، من أول ما عيني شافت عينيه التايهة وهو ساند على الكرسي وشفايفه زرقا، حسيت برعشة في روحي عمري ما جربتها في اتنين وتلاتين سنة عشتهم. كان فيه مغناطيس بيسحبني ليه، حاجة خلتني أفتحله وأدخله من غير ما أفكر، كأن قلبي كان عارفه من قبل ما عقلي يسأله إنت مين. ولما بص في عيني دلوقتي وقالي بصيلي يا ليلى، حسيت إن الدنيا كلها فضيت ومبقاش فاضل غير نفسه وهو طالع دافي في وشي. حتى نظرته ليا مكنتش نظرة زبون لخبازة ولا شفقان على واحدة مهددة بالطرد.. كان فيها حماية راجل لست بتخصه، لمعة كدة خلت ضهري يتفرد غصب عني.
إيهاب حط إيده على كتفي بهدوء، لمسة خفيفة بس شالت نص الحمل اللي على صدري. اهدي.. خدي نفسك. أنا ماشي دلوقتي، ومش عايزك تفكري في حاجة غير إنك تدخلي تنامي. الصبح هتلاقيني هنا.
إيهاب.. إنت مخبي عليا إيه؟ إنت شغال إيه هناك بالظبط؟
بصلي بنظرة طويلة، كان فيها كلام كتير محبوس، وميل خفيف ناحيتي لدرجة شميت ريحة برفانه الراقي اللي حتى دقيق المخبز معرفش يداريها، وقال بصوت واطي حنين، نبرة غير اللي كان بيتكلم بيها من شوية هتعرفي كل حاجة في وقتها.. بس افتكري دايمًا، ستي وستك وصونا نساعد الأول ونسأل بعدين.. اديني نفس الفرصة، اثبتي وأنا في ضهرك.
سابني ومشي، وقفل الباب وراه وخرج في عتمة ليل المعادي. الليلة دي منمتش دقيقة، العجين اتخمر وأنا قاعدة قدامه شاردة، صورتها وصورته رايحين جايين قدام عيني.. ريحة السحلب في أول ليلة، ضحكته لما كان بيغسل الصواني، وفزعة قلبي من فكرة إنه ممكن يختفي في الهوا زي ما جه.
الساعة دقت سبعة الصبح، والشارع بدأ يصحى بالراحة. المخبز كان مفتوح، ريحة الفينو والسمسم مالية الحارة، والأسطى شحاتة شغال ع الفرن مع العمال، بس وشوشهم

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *