حكاية ايهاب وليلى١ – منى السيد
كانت مكسورة، الخبر كان اتسرب إننا بنقفل خلاص وإن الحيتان هيدوسوا علينا.
الساعة تسعة بالدقيقة، سمعت صوت كلاكسات عالية ومزعجة قطعت هدوء الشارع.
طلعت أبص من الفاترينة، لقيت عربيتين ميكروباص وراهم عربية جيب سودة فخمة وقفوا سادين الشارع كله. نزل من الميكروباصات حوالي عشر تمفار، أجسام عريضة ولابسين كابات وجواكت جينز، شكلهم بلطجية ومقاولين هدم من العيار التقيل، وفي إيديهم شوم وعِتل حديد.
من العربية الجيب، نزل راجل لابس بدلة كحلي ضيقة ونضارة شمس شالها أول ما حط رجله على الأرض، وكان ماسك سيجار ومحفظة جلد، دا محمود الهواري.. عرفته من صوته ومن الشياكة الكدابة اللي متغطية بقلة أصل.
دخل المخبز ودفع الباب برجله من غير حتى ما يستأذن، والرجالة بتوعه وقفوا سادين الباب من برة.
صباح الخير يا آنسة ليلى.. قولت أوفّر عليكي وجع القلب وأوفر على نفسي الأسبوعين، جيت بنفسي أتفرج على الخرابة اللي معطلة المشروع بتاعنا.
الدم غلي في عروقي، مسكت في حافة البنك الخشب وقولتله وصوتي طالع بالعافية من الغيظ الخرابة دي تسواك وتسوى شركتك! والمهلة القانونية لسه مخلصتش، إنت داخل هنا بصفتك إيه وبتتعدى على أكل عيشنا كدة ليه؟!
محمود ضحك ببرود وهو بيمشي صباعه على الفاترينة ويشوف الدقيق بقرف بصفتي المالك الجديد.. والمهلة دي بنديها للي نفهم معاهم، إنتي امبارح قفلتي في وشي السكة، فقولت أجي أعلمك الذوق.. شحاتة!
الأسطى شحاتة طلع من جوة ماسك المطرحة وإيده بتترعش نعم يا بيه؟
طفي الفرن دا يا حيلتها ولم عيالك، المحل دا هيتشمع بالشمع الأحمر دلوقتي، وحاجتكم هتنزل في مقلب زبالة.
الأسطى شحاتة صرخ بيوتنا مفتوحة هنا يا بيه، عيالنا ملهاش غير الست ليلى والفرن دا! حرام عليك هتشردنا!
محمود شاور بإيده من غير ما يبصله، دخل اتنين من الرجالة اللي معاه، واحد منهم زق الأسطى شحاتة وقعه في الأرض، ورفع عتلة حديد وضرب بيها فاترينة البسكوت الإزاز!
صوت تكسير الإزاز فزّع الشارع، وأنا صرخت ورجعت لورا والدموع بتنزل من القهر والعجز بتعملوا إيه يا ولاد الحرام! حد يطلب البوليس!
محمود قرب مني وابتسم ابتسامة صفرا، ووطى على ودني وقال البوليس لما ييجي هيلاقينا بنفذ قرار إخلاء صادر للشركة.. وفرّي صريخك يا حلوة، إنتي من النهاردة ملكيش مكان هنا.
ولسه بيمد إيده يمسك دراعي عشان يخرجني برة، وفجأة، حركة الهوا اتغيرت والباب اتفتح بقوة كأن قنبلة انفجرت.
شخص دخل زي الإعصار، مسك إيد محمود الهواري قبل ما تلمسني بسنتيمتر واحد، ولواها لورا ضهره بحركة سريعة ومحترفة خلت عضم كتف الهواري يطقطق!
الهواري صرخ من الوجع ونزل على ركبه آآآه! إيدي! مين ابن ال…؟!
مد إيدك عليها تاني.. وشوف أنا هعمل فيك إيه.
الصوت دا.. قلبي دق بعنف. إيهاب!
بس مكنش إيهاب بتاع المسا اللي بيشيل شوال الدقيق ويغسل الصواني. إيهاب كان لابس بدلة سودا تفصيل إيطالي تمنها يعدي مرتب المخبز في سنة، ساعته الرولكس بتلمع، وشعره متسرح بحدة، وعينيه كانت بتولع نار تخوف بجد. كان وراه تلات رجالة حراسة ضخام بالبدل السودا وسماعات في ودانهم، دخلوا في ثواني وثبتوا البلطجية اللي مع الهواري في الحيطة وكتفوهم من غير ما يدوا لحد فرصة يرمش.
محمود الهواري كان باصص للأرض وبيصرخ، بس لما رفع عينه وشاف مين اللي كاسر إيده، وشه بهت تماماً، التكبر والغرور طاروا، واستبدلهم رعب ميت. شفايفه بقت تترعش زي ما كانت شفايف إيهاب بتترعش من السقعة أول ليلة، بس المرة دي من الخوف إ.. إيهاب بيه؟! إيهاب بيه الشرقاوي؟!
إيهاب زقه برجليه رماه على الأرض جنب الإزاز المكسور، وطلع منديل قماش من جيبه ومسح إيده كأنه لمس حاجة نجسة، وبص للهواري من فوق لتحت باحتقار الهواري.. صوتك كان عالي أوي وإنت بتهدد في التليفون امبارح، كرر كدة اللي قولته تاني عشان مسمعتش كويس؟
محمود كان بيبلع ريقه بصعوبة، بيحاول يقوم ومش قادر، ساند على الأرض والإزاز بيجرح إيده يا باشا.. إنت.. إنت بتعمل إيه هنا؟ أنا معرفش إن المكان دا يخص سيادتك! أنا كنت بنفذ تعليمات مجلس الإدارة بخصوص تطوير البلوك!
إيهاب نزل لمستواه، مسكه من ياقة بدلته وشده ليه بعنف، وصوته نزل لدرجة الفحيح مجلس الإدارة اللي هو أنا رئيسه يا حيوان؟ الشراكة اللي ورثت نص أسهمها عن أمي من شهرين وبقى ليا حق الفيتو فيها؟ أنا باعتك تدير التوسعات بالعدل والتفاوض القانوني، تقوم جاي تستعرض عضلاتك وبلطجيتك على حتة مخبز وعلى ست لو شوفت خيالها في الشارع توطي تبوس الأرض اللي مشيت عليها؟!
أنا كنت واقفة ساندة على الحيطة، حاطة إيدي على فمي ومش مستوعبة. إيهاب الشرقاوي؟ صاحب أكبر شركة مقاولات وتطوير عقاري في الشرق الأوسط؟! الراجل اللي كان غرقان في المطر، وبياكل قرصة عجوة بنهم كأنه مش لاقي ياكل، هو نفسه الحوت الأكبر اللي الشركة دي كلها بتتحرك بإشارة من صباعه؟!
إيهاب بص لمحمود بنظرة أخيرة قاطعة من اللحظة دي، إنت مش بس مفصول من الشركة.. إنت محول للتحقيق في كل أوراق الصفقات اللي مشبوهة بإسمك، وشهرتك في السوق انتهت.. برة!
شاور لحراسه، اللي شالوا الهواري والبلطجية بتوعه وزقوهم برة المخبز وركبوهم عربياتهم وسط ذهول أهل المنطقة اللي كانوا متجمعين برة يتفرجوا ويهللوا للمخبز والأسطى شحاتة.
الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء تقيل ومليان أسئلة.
الحراس
قفلوا الباب ووقفوا أمن برة، وإيهاب فضل واقف وسط الإزاز المكسور والدقيق اللي اتنثر في الأرض. لف وشه وبصلي..
النظرة القاسية اللي كان باصص بيها للهواري دابت في ثانية، وحل مكانها قلق وخوف حقيقي. خطى وسط الإزاز وجالي، ومد إيديه الاتنين مسك كفوفي اللي كانت متلجة وبترتعش.
إنتي كويسة؟ لمسك؟
بصيت في عينيه.. كانت قريبة مني أوي، شفت فيهم خوفه عليا، خوف راجل بيحب بجد ومستعد يحرق الدنيا عشان ميشوفش دمعة واحدة في عين حبيبته.
قولتله بصوت مخنوق ومتردد إنت.. إنت مين يا إيهاب؟ وليه خبيت عليا كل دا؟
قرب خطوة كمان، لدرجة حسيت اللي فلتت من الطرحة، وبص في عيني بصدق هز كياني كله أنا إيهاب اللي دخل هنا من تلات شهور روحه ميتة بعد ما دفن أمه، وكان تايه ومش لاقي معنى لحياته وسط فلوس الدنيا كلها.. لحد ما دخلت المخبز دا، وشوفت عينيكي وإنتي بتناوليني السحلب وبتقوليلي كُل عشان إنت سقعان.. أنا من الليلة دي، اتولدت من جديد على إيدك يا ليلى. المكان دا مش هيتقفل.. ولا إنتي هتبعدي عني تاني أبداً.