زعيم المافيا

يخنة اللحمة.

كانت دايمًا تقول لي:

— السر مش في اللحمة الغالية يا نور.

وبعدين تضحك وتقول:

— السر في التوابل وإيد اللي بيطبخ.

حطيت اللحمة في الحلة.

وبدأت أضيف الثوم.

الخضار.

الشوربة.

الزعتر.

رشة قرفة.

وفلفل أسود.

ريحة الأكل بدأت تنتشر في المطعم.

وبعد حوالي 35 دقيقة، شلت الطبق بإيدي.

خمسة رجالة مسلحين كانوا بيراقبوني وأنا ماشية.

وصلت للترابيزة.

وحطيت الطبق قدام جابر.

رفع عينه لي.

وبعدين بص للطبق.

ريحة الزعتر والثوم المحمر والقرفة وصلت لأنفه.

قال ليث بهدوء:

— كل حاجة اتفتحت قدام عيني يا باشا.

جابر مسك المعلقة.

إيده كانت بتترعش.

قرب المعلقة من بقه.

وأكل.

سكت المكان كله.

ثانية…

اتنين…

لمحة نيوز
تلاتة…

وفجأة ملامح جابر اتغيرت.

نزل المعلقة ببطء.

وبص قدامه كأنه مش شايف المطعم أصلًا.

لأن طعم الطبق رجّعه لبيت قديم.

لمطبخ صغير.

لأيام كان فيها طفل، قبل ما يبقى أخطر رجل في المدينة.

رفع عينه ناحيتي.

وهمس باسم…

اسم أنا عمري ما توقعت أسمعه منه.

اسم الست اللي علمتني أنا كمان نفس الأكلة…

وساعتها فهمت إن الطبق اللي عملته لجابر ماكانش مجرد وجبة.

كان مفتاح سر مدفون من سنين.
حكايات بسمة

السكوت جوه مطعم “عم صبري” كان زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. صوت المطر بره بياكل في الشباك، وصوت الأنفاس جوه كأنها حبل مشدود هيتقطع في أي لحظة.
جابر كان باصص للطبق، عيونه الدموية اللي ما نامتش من أيام بدأت تلمع بدموع متحجرة رفضت تنزل. رفع عينه ببطء شديد، وبص في وشي.. النظرة مكنتش نظرة زعيم مافيا مرعب، كانت نظرة طفل خايف وتايه في الظلمة.
شفايفه اترعشت وهو بيهمس بالاسم:
— «روزا؟»
الكلمة طلعت منه مخنوقة، زي صدى صوت جاي من قاع بئر مهجور بقاله تلاتين سنة.
أنا اتجمدت في مكاني. ركبي كانت بتخبط في بعضها من الخوف، بس الاسم وقع عليا زي الصاعقة.
— «أنت.. أنت تعرف أبلة روزا؟»
جابر زق الكرسي لورا بصوت خشب حاد هز المكان. وقف على حيله بالعافية، وطوله وهيبته غطوا عليا. رجاله كلهم إيديهم جرت على جرابات سلاحهم تحت الجواكت، ليث اتقدم خطوة وعينيه زي الصقر:
— «فيه إيه يا باشا؟ البنت حطت حاجة في الأكل؟»
جابر رفع إيده بجمود، وخرّش صوته وهو بيزعق بنبرة تخرّع:
— «حدش يتحرك! ارجعوا ورا.. كلكم!»
ليث والرجالة رجعوا خطوة لورا باستغراب وصدمة، عم صبري ورا باب المطبخ كان بيترعش ويدعي تحت ضرسه.
جابر قرب مني، مسافة خطوة واحدة كانت بيني وبينه. ريحة الخوف والمطر والبارفان الغالي مع ريحة القرفة والزعتر الطالعة من الطبق عملوا ميكس غريب.
نزل لعينيّ وقال بصوت واطي ومبحوح:
— «أنتِ مين؟ والأكلة دي.. مين علمها لك؟ الأكلة دي محدش في العالم كله بيعملها بالسر ده.. برشة القرفة وطريقة تحمير الثوم دي.. غير ست واحدة بس. ست ماتت من 30 سنة!»
بلعت ريق بالعافية وقلت وأنا بحاول أثبت صبيان صوتي:
— «أبلة روزا ماماتتش من 30 سنة يا جابر بيه.. أبلة روزا عاشت في الشقة رقم 4 في الحارة القديمة.. هي اللي ربتني وأمي شغالة، وهي اللي علمتني أطبخ لما كنت صغيرة. وماتت من سنتين بس..»
أول ما قلت “الشقة رقم 4”.. جابر مسك في طرف الترابيزة بكل قوته لحد ما عروق إيده الزرقاء برزت وبقت هتفرقع. وشه الشاحب بقى أبيض زي الطباشير.
— «ماتت من سنتين؟» كرر الكلمة بذهول.. «أنا.. أنا كان يتقال لي إنها اتقلت في الحريق اللي ولع في بيتنا وأنا عندي 8 سنين! كان يتقال لي إن عيلة “العطار” مسحوا عيلتي كلها عشان ياخدوا أرض الميناء!»
ساعتها بس، كل المكعبات الدبش في دماغي بدأت تترتب.
أبلة روزا.. الست العجوزة الطيبة اللي كانت دايماً تقعد قدام الشباك تبص للشارع وتعيط، الست اللي كانت كل يوم جمعة تعمل نفس طبق اليخنة ده وتطفي النور وتقول لي: “يمكن يرجع يا نور.. يمكن ابن قلبي يشم الريحة ويرجع”.
بصيت لجابر وقلت له بدموع حقيقية:
— «هي ماماتتش في الحريق.. أبلة روزا هربت بيك وبأختك، بس لما النار مسكت في البيت، الناس أخدوك أنت وهي افتكرتك ماتت. هي عاشت طول عمرها فاكراك متّ في الحريق، وما حيلتهاش غير الذكرى دي.. وكانت بتعمل الطبق ده كل جمعة وتقول لي ده أكل “جابر” المفضل!»
جابر حط إيده على وشه، ولأول مرة.. الراجل اللي يهز المدينة كلها بكلمة، انهار وقعد على الكرسي، وظهرت شهقة مكتومة من صدره.
الرجالة بتوعه كانوا باصين لبعض بذهول مش مصدقين إن زعيمهم بيعيط قدام بنت شغال نادلة في مطعم شعبي.
أنا نزلت لمستواه، ومن غير ما أفكر في الخطر، حطيت إيدي على كتفه:
— «روزا كانت بتحبك أوي يا جابر.. وكانت عارفة إنك عايش في مكان ما. وكانت دايماً تقول لي: لو قبلتي راجل عينيه مليانة قسوة بس جوه قلبه طفل خايف.. اعملي له اليخنة دي، ورجعي له روحه.»
جابر رفع راسه، وبص للطبق.. وبدأ ياكل.
أكل أول معلقة.. والتانية.. والتالتة.
كان بياكل بنهم، كأنه بيمسح 8 أيام من الجوع، أو بيمسح 30 سنة من القسوة والحرمان. أكل الطبق كله لحد آخر نقطة شوربة، ومسح وشه بالفوطة وهو بياخد نفس عميق، أعمق نفس أخده من سنين.
وفجأة.. تليفون ليث رن.
ليث رد بسرعة، وملامحه اتحولت لغضب مكتوم. قرب من جابر وهمس في ودنه:
— «يا باشا.. التقرير المبدئي من المعمل الجنائي وصل بخصوص ريزوتو “بولي”.»
جابر رفع عينه ببرود حاد.. البرود القاتل رجع لوشه تاني، بس المرة دي كان صافي ومفيهوش خوف:
— «قالوا إيه؟»
ليث بص للمطعم ولعم صبري وليّ، وقال بثبات:
— «السم مكنش في الأكل يا جابر.. السم كان مدهون على حروف أطباق الخزف الجديدة اللي الشيف اشتراها الأسبوع اللي فات. المادة بتدوب مع سخونة الأكل وبتنزل فيه.. والطباخ لما داق الأكل داقه بمعلقة من غير ما يلمس جدار الطبق!»
جابر سكت ثانية.. وبعدين ابتسم ابتسامة مرعبة:
— «والأطباق دي مين اللي دخلها القصر يا ليث؟»
ليث بلع ريقه وقال بصوت واطي:
— «سليمان.. أخو بولي الكبير.»
جابر وقف بثبات، كأنه ما كانش مريض ولا جعان من دقايق. القوة والأناقة والهيبة رجعوا له في لحظة واحدة. بص لليث وقال:
— «هات سليمان على المخزن القديم.. والقصة دي تنتهي الليلة.»
وبعدين التفت ليّ..
قرب مني، وطلع من جيب جاكيته منديل قماش غالي، ومسك إيدي وحط فيه مفتاح فضة قديم جداً.
— «ده مفتاح الشقة رقم 4.. صح؟»
أنا هزيت رأسي بصدمة: «أنت جبت المفتاح ده منين؟»
جابر ابتسم بوجع:
— «المفتاح ده كان في رقبتي وأنا صغير وسقط مني ليلة الحريق.. روزا كانت شايلاه معاها. أنتِ رجعتِ لي أمي يا نور.. ورجعتِ لي عقلي.»
التفت لليث وقال بصوت قاطع:
— «من النهاردة.. المطعم ده وصاحبه والبنت دي تحت حمايتي الشخصية. أي حد يمس شعرة من نور، يعتبر نفسه فتح باب جهنم على نفسه.»
وبص لعم صبري اللي كان هيغمى عليه من الفرحة والخوف:
— «المطعم ده هيتقفل من بكرة.. وهيتحول لأكبر مائدة رحمان ومطعم مجاني للفقراء في المدينة كلها باسم “روزا”.. وأنت يا عم صبري مدير المكان وبمرتب هيخليك تعيش ملك.»
وبعدين بص ليّ وعينيه فيها حاجة جديدة.. حاجة شبيهة بالأمل:
— «وأنتِ يا نور.. امتحانات التمريض بتاعتك هتخلص، ومن بكرة فيه حراسة هتأمنك من بعيد لبعيد. ولما تخلصي.. مستنيكي تديري المؤسسة الطبية اللي هبنيها باسم أمي.»
سحب جابر جاكيته، ومشي ناحية الباب. وقبل ما يفتح الباب ويخرج في المطر، بص لي وابتسم:
— «الجمعة الجاية.. هكون مستني نفس الطبق، بس في بيتي.. ماشي يا نور؟»
أنا ابتسمت وهزيت رأسي:
— «ماشي يا جابر.. من غير سم، ومن غير خوف.»
خرج جابر ح Hayes ورجاله، وصوت العربيات اتلاشى في العتمة..
ورجع الهدوء للمطعم الصغير، بس المرة دي.. ريحة اليخنة مكنتش مجرد ريحة أكل، كانت ريحة حياة جديدة بدأت من وسط الظلام.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *