زعيم المافيم كل الناس حاولوا يخلّوه ياكل فشلوا أغلى الأكلات اتحطت قدامه، وأشهر الطباخين طبخوا له بنفسهم، ورجاله كانوا بيدوقوا الأكل قبله عشان يثبتوا له إنه آمن. لكن جابر كان شايف السم في كل لقمة. لحد ما في ليلة، دخل مطعم شعبي قديم، وقعد قدام بنت بسيطة بتشتغل نادلة. البنت حطت قدامه طبق يخنة عادي جدًا وقالت: — جرب… الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف. أول معلقة دخلت بقه، جابر اتجمد. لأن طعم الأكلة رجّعه لذكرى من طفولته… ذكرى كان فاكر إنه دفنها للأبد. والأغرب؟ إنه رفع عينه للبنت وهمس باسم شخص هي عمرها ما سمعته منه قبل كده. ⸻ اسمي نور، وعندي 24 سنة. عمري ما كنت أتخيل إن وردية واحدة في مطعم منسي في آخر المدينة، هتخليني أقابل أخطر راجل فيها. اسمه جابر ح Hayes. الناس كانت بتقول إن جابر بنى إمبراطوريته على الخوف والولاء. لكن في الفترة الأخيرة، الخوف نفسه بدأ يقتله. قدامه في البنتهاوس كان في طبق ستيك غالي جدًا، سعره ممكن يساوي إيجار شقة ناس كتير لشهور. لكن جابر مكنش شايف أكل. كان شايف سم. زرنيخ. سيانيد. أي حاجة ممكن تنهي حياته في لقمة. قبل أسبوعين، أقرب رجاله، بولي، مات بعد ما أكل طبق ريزوتو. الطباخ نفسه داق الأكل قدامه. ومع ذلك، بولي انهار قبل ما يوصل المستشفى. من يومها، جابر فقد ثقته في الأكل. قال له ليث، أقدم رجاله: — يا باشا، لازم تاكل. جابر بص للطبق من غير ما يلمسه. مد إيده، وبعدين رجعها. وزق الطبق بعيد. صوت الخزف وهو بيحتك بالترابيزة الخشب كان الصوت الوحيد في المكان. — شيله من هنا. — جابر، بالله عليك… قرب ليث خطوة. — الشيف داق كل حاجة قدام عيني. الأكل سليم. جابر رفع عينه له وقال ببرود: — طباخ بولي داق الأكل برضه. سكت. — ومات في الإسعاف. في سن 38 سنة، جابر نجا من رصاص، ومطاردات، وتحقيقات، وحروب على مناطق النفوذ. بنى نفسه من الصفر. وخلى كل اللي حواليه يخافوا منه. لكن دلوقتي كان محبوس جوه قصره… بيموت من الجوع لأنه مش واثق في أي حد. عدى 8 أيام من غير ما ياكل وجبة حقيقية. بقى يشك في كل زجاجة مية. كل طبق. كل حد يقرب من مطبخه. وفي نفس الوقت، بدأت الشائعات تنتشر. الراجل اللي بقى محتاج يسند على الأثاث عشان يقف، مش هيقدر يفضل زعيم لفترة طويلة. جابر كان عارف إن الناس مستنية اللحظة اللي يقع فيها. قال: — جهز العربيات. ليث بص له باستغراب: — هنروح فين؟ جابر وقف بالعافية. — مش عارف. وبعدين قال: — بس ابعدوني عن المطبخ… وعن رجالي. ⸻ بعد 20 دقيقة، 3 عربيات سودا كانوا ماشيين وسط المطر. جابر قاعد في الكرسي الخلفي، ساكت، وباصص من الشباك. المباني الفخمة اختفت. الشوارع النظيفة اختفت. ودخلوا منطقة شعبية جابر مكنش بيهتم بيها من سنين. فجأة قال: — اركن هنا. السواق بص وراه: — هنا يا باشا؟ — أيوه. قدامهم كان في مطعم قديم، ولافتة النيون بتاعته نصها مطفي. مطعم عم صبري. شكله مكان الناس بتروحه لما ميبقاش قدامها اختيار تاني. رجال جابر دخلوا الأول وفتشوا المكان. وبعدها دخل هو. ريحة المكان كانت مختلفة تمامًا عن قصره. قهوة بايتة. زيت محروق. ومطهر رخيص. صاحب المطعم، عم صبري، وقف جنب التلاجات وهو بيترعش. جابر قعد في ترابيزة في الركن وقال: — اقفل الباب. ليث قفل الباب ونزل الستارة. بص جابر لصاحب المطعم: — اطبخلي حاجة. الرجل بلع ريقه. — عندنا برجر، لحمة، فراخ… جابر قاطعه: — عايز مكونات جديدة ومقفولة. وبص له بحدة: — أي حاجة مفتوحة أو مطبوخة قبل كده، متستخدمهاش. عم صبري هز راسه بسرعة. وراء باب المطبخ، كنت أنا واقفة. اسمي نور. عندي 24 سنة، بدرس عشان أخلص امتحانات التمريض، وبشتغل ورديات ليلية عشان أقدر أصرف على نفسي. كل اللي كنت عايزاه الليلة دي إني أخلص شغلي وأروح أنام. لكن فجأة، دخل المطعم شوية رجالة لابسين بدلات سودا. عم صبري قرب مني وهمس: — دول مافيا… ده جابر ح Hayes. بصيت من فتحة المطبخ. كنت متوقعة أشوف وحش. لكن اللي شوفته كان راجل مكسور. وشه شاحب. كتافه تقيلة. وعينيه فاضية. فكرني بالكلاب الصغيرة اللي كنت بأكلها زمان ورا العمارة. خايفة. جعانة. وممكن تبقى خطيرة لأنها وصلت لآخر طاقتها. عم صبري كان بيحاول يفتح كيس لحمة وإيده بتترعش. قلت له: — سيبه وأنا أعمله. بص لي بخوف: — نور، لأ. — لو فضلت بتترعش كده هيشك فيك. دخلت المطبخ وبدأت أدور على مكونات جديدة. لقيت قطعة لحمة. بطاطس. جزر. شوربة طازة. وزجاجة نبيذ رخيصة. وأول ما ريحة اللحمة وصلت لأنفي… افتكرت الشقة رقم 4. ورق الحيطان القديم. الدفاية اللي كانت بتبوظ كل شوية. وست اسمها روزا. الست اللي كانت بتقعد معايا وأنا صغيرة لما أمي كانت بتشتغل ورديتين. روزا علمتني أكلة واحدة عمري ما نسيتها. يخنة اللحمة. كانت دايمًا تقول لي: — السر مش في اللحمة الغالية يا نور. وبعدين تضحك وتقول: — السر في التوابل وإيد اللي بيطبخ. حطيت اللحمة في الحلة. وبدأت أضيف الثوم. الخضار. الشوربة. الزعتر. رشة قرفة. وفلفل أسود. ريحة الأكل بدأت تنتشر في المطعم. وبعد حوالي 35 دقيقة، شلت الطبق بإيدي. خمسة رجالة مسلحين كانوا بيراقبوني وأنا ماشية. وصلت للترابيزة. وحطيت الطبق قدام جابر. رفع عينه لي. وبعدين بص للطبق. ريحة الزعتر والثوم المحمر والقرفة وصلت لأنفه. قال ليث بهدوء: — كل حاجة اتفتحت قدام عيني يا باشا. جابر مسك المعلقة. إيده كانت بتترعش. قرب المعلقة من بقه. وأكل. سكت المكان كله. ثانية… اتنين… لمحة نيوز تلاتة… وفجأة ملامح جابر اتغيرت. نزل المعلقة ببطء. وبص قدامه كأنه مش شايف المطعم أصلًا. لأن طعم الطبق رجّعه لبيت قديم. لمطبخ صغير. لأيام كان فيها طفل، قبل ما يبقى أخطر رجل في المدينة. رفع عينه ناحيتي. وهمس باسم… اسم أنا عمري ما توقعت أسمعه منه. اسم الست اللي علمتني أنا كمان نفس الأكلة… وساعتها فهمت إن الطبق اللي عملته لجابر ماكانش مجرد وجبة. كان مفتاح سر مدفون من سنين. حكايات بسمة السكوت جوه مطعم "عم صبري" كان زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. صوت المطر بره بياكل في الشباك، وصوت الأنفاس جوه كأنها حبل مشدود هيتقطع في أي لحظة. جابر كان باصص للطبق، عيونه الدموية اللي ما نامتش من أيام بدأت تلمع بدموع متحجرة رفضت تنزل. رفع عينه ببطء شديد، وبص في وشي.. النظرة مكنتش نظرة زعيم مافيا مرعب، كانت نظرة طفل خايف وتايه في الظلمة. شفايفه اترعشت وهو بيهمس بالاسم: — «روزا؟» الكلمة طلعت منه مخنوقة، زي صدى صوت جاي من قاع بئر مهجور بقاله تلاتين سنة. أنا اتجمدت في مكاني. ركبي كانت بتخبط في بعضها من الخوف، بس الاسم وقع عليا زي الصاعقة. — «أنت.. أنت تعرف أبلة روزا؟» جابر زق الكرسي لورا بصوت خشب حاد هز المكان. وقف على حيله بالعافية، وطوله وهيبته غطوا عليا. رجاله كلهم إيديهم جرت على جرابات سلاحهم تحت الجواكت، ليث اتقدم خطوة وعينيه زي الصقر: — «فيه إيه يا باشا؟ البنت حطت حاجة في الأكل؟» جابر رفع إيده بجمود، وخرّش صوته وهو بيزعق بنبرة تخرّع: — «حدش يتحرك! ارجعوا ورا.. كلكم!» ليث والرجالة رجعوا خطوة لورا باستغراب وصدمة، عم صبري ورا باب المطبخ كان بيترعش ويدعي تحت ضرسه. جابر قرب مني، مسافة خطوة واحدة كانت بيني وبينه. ريحة الخوف والمطر والبارفان الغالي مع ريحة القرفة والزعتر الطالعة من الطبق عملوا ميكس غريب. نزل لعينيّ وقال بصوت واطي ومبحوح: — «أنتِ مين؟ والأكلة دي.. مين علمها لك؟ الأكلة دي محدش في العالم كله بيعملها بالسر ده.. برشة القرفة وطريقة تحمير الثوم دي.. غير ست واحدة بس. ست ماتت من 30 سنة!» بلعت ريق بالعافية وقلت وأنا بحاول أثبت صبيان صوتي: — «أبلة روزا ماماتتش من 30 سنة يا جابر بيه.. أبلة روزا عاشت في الشقة رقم 4 في الحارة القديمة.. هي اللي ربتني وأمي شغالة، وهي اللي علمتني أطبخ لما كنت صغيرة. وماتت من سنتين بس..» أول ما قلت "الشقة رقم 4".. جابر مسك في طرف الترابيزة بكل قوته لحد ما عروق إيده الزرقاء برزت وبقت هتفرقع. وشه الشاحب بقى أبيض زي الطباشير. — «ماتت من سنتين؟» كرر الكلمة بذهول.. «أنا.. أنا كان يتقال لي إنها اتقلت في الحريق اللي ولع في بيتنا وأنا عندي 8 سنين! كان يتقال لي إن عيلة "العطار" مسحوا عيلتي كلها عشان ياخدوا أرض الميناء!» ساعتها بس، كل المكعبات الدبش في دماغي بدأت تترتب. أبلة روزا.. الست العجوزة الطيبة اللي كانت دايماً تقعد قدام الشباك تبص للشارع وتعيط، الست اللي كانت كل يوم جمعة تعمل نفس طبق اليخنة ده وتطفي النور وتقول لي: "يمكن يرجع يا نور.. يمكن ابن قلبي يشم الريحة ويرجع". بصيت لجابر وقلت له بدموع حقيقية: — «هي ماماتتش في الحريق.. أبلة روزا هربت بيك وبأختك، بس لما النار مسكت في البيت، الناس أخدوك أنت وهي افتكرتك ماتت. هي عاشت طول عمرها فاكراك متّ في الحريق، وما حيلتهاش غير الذكرى دي.. وكانت بتعمل الطبق ده كل جمعة وتقول لي ده أكل "جابر" المفضل!» جابر حط إيده على وشه، ولأول مرة.. الراجل اللي يهز المدينة كلها بكلمة، انهار وقعد على الكرسي، وظهرت شهقة مكتومة من صدره. الرجالة بتوعه كانوا باصين لبعض بذهول مش مصدقين إن زعيمهم بيعيط قدام بنت شغال نادلة في مطعم شعبي. أنا نزلت لمستواه، ومن غير ما أفكر في الخطر، حطيت إيدي على كتفه: — «روزا كانت بتحبك أوي يا جابر.. وكانت عارفة إنك عايش في مكان ما. وكانت دايماً تقول لي: لو قبلتي راجل عينيه مليانة قسوة بس جوه قلبه طفل خايف.. اعملي له اليخنة دي، ورجعي له روحه.» جابر رفع راسه، وبص للطبق.. وبدأ ياكل. أكل أول معلقة.. والتانية.. والتالتة. كان بياكل بنهم، كأنه بيمسح 8 أيام من الجوع، أو بيمسح 30 سنة من القسوة والحرمان. أكل الطبق كله لحد آخر نقطة شوربة، ومسح وشه بالفوطة وهو بياخد نفس عميق، أعمق نفس أخده من سنين. وفجأة.. تليفون ليث رن. ليث رد بسرعة، وملامحه اتحولت لغضب مكتوم. قرب من جابر وهمس في ودنه: — «يا باشا.. التقرير المبدئي من المعمل الجنائي وصل بخصوص ريزوتو "بولي".» جابر رفع عينه ببرود حاد.. البرود القاتل رجع لوشه تاني، بس المرة دي كان صافي ومفيهوش خوف: — «قالوا إيه؟» ليث بص للمطعم ولعم صبري وليّ، وقال بثبات: — «السم مكنش في الأكل يا جابر.. السم كان مدهون على حروف أطباق الخزف الجديدة اللي الشيف اشتراها الأسبوع اللي فات. المادة بتدوب مع سخونة الأكل وبتنزل فيه.. والطباخ لما داق الأكل داقه بمعلقة من غير ما يلمس جدار الطبق!» جابر سكت ثانية.. وبعدين ابتسم ابتسامة مرعبة: — «والأطباق دي مين اللي دخلها القصر يا ليث؟» ليث بلع ريقه وقال بصوت واطي: — «سليمان.. أخو بولي الكبير.» جابر وقف بثبات، كأنه ما كانش مريض ولا جعان من دقايق. القوة والأناقة والهيبة رجعوا له في لحظة واحدة. بص لليث وقال: — «هات سليمان على المخزن القديم.. والقصة دي تنتهي الليلة.» وبعدين التفت ليّ.. قرب مني، وطلع من جيب جاكيته منديل قماش غالي، ومسك إيدي وحط فيه مفتاح فضة قديم جداً. — «ده مفتاح الشقة رقم 4.. صح؟» أنا هزيت رأسي بصدمة: «أنت جبت المفتاح ده منين؟» جابر ابتسم بوجع: — «المفتاح ده كان في رقبتي وأنا صغير وسقط مني ليلة الحريق.. روزا كانت شايلاه معاها. أنتِ رجعتِ لي أمي يا نور.. ورجعتِ لي عقلي.» التفت لليث وقال بصوت قاطع: — «من النهاردة.. المطعم ده وصاحبه والبنت دي تحت حمايتي الشخصية. أي حد يمس شعرة من نور، يعتبر نفسه فتح باب جهنم على نفسه.» وبص لعم صبري اللي كان هيغمى عليه من الفرحة والخوف: — «المطعم ده هيتقفل من بكرة.. وهيتحول لأكبر مائدة رحمان ومطعم مجاني للفقراء في المدينة كلها باسم "روزا".. وأنت يا عم صبري مدير المكان وبمرتب هيخليك تعيش ملك.» وبعدين بص ليّ وعينيه فيها حاجة جديدة.. حاجة شبيهة بالأمل: — «وأنتِ يا نور.. امتحانات التمريض بتاعتك هتخلص، ومن بكرة فيه حراسة هتأمنك من بعيد لبعيد. ولما تخلصي.. مستنيكي تديري المؤسسة الطبية اللي هبنيها باسم أمي.» سحب جابر جاكيته، ومشي ناحية الباب. وقبل ما يفتح الباب ويخرج في المطر، بص لي وابتسم: — «الجمعة الجاية.. هكون مستني نفس الطبق، بس في بيتي.. ماشي يا نور؟» أنا ابتسمت وهزيت رأسي: — «ماشي يا جابر.. من غير سم، ومن غير خوف.» خرج جابر ح Hayes ورجاله، وصوت العربيات اتلاشى في العتمة.. ورجع الهدوء للمطعم الصغير، بس المرة دي.. ريحة اليخنة مكنتش مجرد ريحة أكل، كانت ريحة حياة جديدة بدأت من وسط الظلام. تمت