ورا حيطان المخزن

 

## الجزء الأول: ورا حيطان المخزن

صحيت **فريدة** قبل ما الخوف يتشكل في دماغها ويبقى له اسم.

في الأول، سمعت رزعة حديد على باب المخزن. وبعدها خطوات بطيئة على الأرض الخرسانة؛ خطوات كانت ثابتة ورزينة زيادة عن إنها تكون لرجال الأمن، وشيك قوي لدرجة متلقش على عمال الشحن.

الساعة كانت أربعة ونص الصبح، وده كان الوقت الوحيد في اليوم اللي بتقدر تضحك فيه على نفسها وتحس إنها لسه مسيطرة على حياتها. في الساعة دي، كانت بتطبق اليونيفورم القديم اللي بتستعمله كغطا، وتخبي شنطتها في كرتونة مكتوب عليها “توالف”، وتجري على الحمامات عشان تاخد دش قبل ما عمال الوردية الأولى يوصلوا.

Ahmad Suliman

بس الفجر ده، في حد دخل قبل ميعاده.

وقفت **فريدة** مخضوضة بين رفوف البضائع الراكدة اللي خط إنتاجها وقف، وقلبها كان بيدق في ضلوعها زي الطبلة. بقالها تلات أسابيع بتنام هنا، في ركن منسي في المخزن؛ لأن مصاريف المواصلات كل يوم من **شبرا الخيمة** كانت بتاكل نص مرتبها، ولأن إيجار أوضة لوحدها كان حلم بعيد، ولأن الرجوع لبيت أمها كان معناه ترجع تسمع زعيق جوز أمها السكران وهو بيكسر الباب.

الخطوات قربت.

كتمت نفسها.

مكانتش تستحمل تخسر الشغلانة. ومكانتش تستحمل تخسر السقف ده، حتى لو كان من الصاج وريحة الكرتون المبلول مالية المكان. لو قفشوها، كل حاجة هتنتهي.

— أنا عارف إن في حد هنا — الصوت كان رجالي.

غمضت **فريدة** عينيها. الصوت ده مكانش ينتمي للمخزن؛ صوت متعلّم، بارد، وواخد على إنه يؤمر فيطاع.

لما طلعت من بين الرفوف وهي رافعة إيديها وشعرها منكوش، شافت راجل لابس بدلة رمادي غامق شيك جداً، كان بيبص لها وكأنه لسه شايف شرخ في عمارته المترستقة. عرفته علطول من صورته اللي لتعلقة عند المدخل: **المهندس شريف رفعت**، صاحب الشركة، المليونير اللي بيمضي الشيكات وعمره ما عتب أرض المخازن.

— أنتِ عايشة هنا؟ — سألها من غير ما يعلي صوته.

حاولت **فريدة** تكدب، بس شنطة الهدوم، واليونيفورم اللي متغطي بيه المرتبة، وعينيها اللي منطفية من التعب… كل حاجة فضحتها.

— بقالي تلات أسابيع — همست وهي باصة في الأرض.

**شريف** منطقش بكلمة. اكتفى بإنه يتابعها بعينيه. كانت مستنية منه قرف، عصبية، أو إنه ينده الأمن يرموها بره. بس ملامحه كان فيها حاجة أصعب: صدمة ممزوجة بذنب.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *