ورا حيطان المخزن
بس الضربة اللي وجعت بجد، كانت مكالمة تليفون من أمها.
— يا بنتي — أمها قالتها وهي بتعيط وتشهق — سامحيني. أنا كنت عارفة إنه بيدور عليكي وعايز يئذيكي، ومقدرتش أعمل حاجة.. كنت خايفة منه.
غمضت **فريدة** عينيها. لسنين طويلة كانت مستنية كلمة “سامحيني” دي، ولما جت، ملقتش فرحة، لقت نفسها تعبانة ومستهلكة.
— يا أمي، أنا مبقتش عايشة عشان أشيل شيلة قراراتك.. ربنا يسهلك.
قفلت السكة من غير غل ولا كره. والقفلة دي بالذات، خلتها تحس إنها حرة بجد ولأول مرة.
قبلت الترقية بس بشرط واحد: تلات شهور تحت الاختبار، وتقييم حقيقي من لجنة، ومفيش أي معاملة خاصة. **شريف** وافق وهو مبسوط. وقبلت شرط تاني منه، بس كان أصعب شوية.
— لو هنقرب من بعض — قالتها لـ **شريف** في يوم وهما قاعدين في جنينة عامة بيأكلوا حواوشي — أنا مش عايزة أكون مشروعك الخيري. مش عايزة بطل ينقذني. أنا عايزة أمشي جمبك خطوة بخطوة.
ابتسم **شريف** وعينيه كانت مدمعة:
— وده كل اللي أنا بتمناه من أول يوم شفتك فيه.
— ومفيش أسرار بيننا.
هز رأسه وقال:
— طب أبدأ أنا… أنا شكل دخلت في حبك.
حست **فريدة** بالخوف؛ بس مش الخوف القديم اللي كان بيخليها تستخبى ورا الكراتين، لأ.. خوف تاني، أرق وأجمل بكتير: خوف البني آدم اللي بدأ يثق في الدنيا والناس من تاني.
— وأنا كمان — همست — بس واحدة واحدة.
مسك إيدها بالراحة كأنها حاجة غالية وخايف تتكسر:
— واحدة واحدة.
بعد كام شهر، مكنتش **فريدة** بتمشي مطأطأة رأسها في المخزن. بقت هي اللي بتراجع الطلبيات، وبتعدل الشغل، وبتدرب الموظفين الجدد. فيه ناس لسه بتلت وتتكلم ورا ضهرها، وناس تانية بقت بتعملها ألف حساب وبتحترمها. اتعلمت إن الكرامة محدش بيشحتها، الكرامة بتتاخد وضع يد وبتتعاش.
شقتها دلوقتي بقى فيها تربيزة صغيرة، وكرسيين، وقصرية زرع جمب الشباك. مكانتش قصر، بس كانت ملكها؛ مدفوعة بتعبها، وعرقها، وبقرارها كل يوم الصبح إنها مش هتستخبى تاني.
في ليلة، وهي بتقفل الباب، بصت للمفاتيح اللي في إيدها وابتسمت.
لأن كان فيه وقت بتنام فيه بين كراتين مكتوب عليها “توالف”، وهي فاكرة إنها هي كمان تالفة ومالهاش عازة في الدنيا. بس الأيام، بلفّتها القاسية ومعجزاتها اللي بتيجي في وقتها، عرفتها الحقيقة: ساعات، الحاجة اللي الدنيا بترميا ومبتبصش عليها مابتكونش مكسورة… دي بتكون مستنية بس نظرة إنصاف وتقدير من عين تفهم قيمتها.