ورا حيطان المخزن

— ليه؟

جزت **فريدة** على سنانها وقالت:

— عشان مفيش مكان تاني أروحه. لو دفعت حق المواصلات مش هلاقي آكل. ولو رجعت البيت، جوز أمي هيقتلني. المرة اللي فاتت كسرلي ضلعين.

السكوت اللي بعد الكلمتين دول كان تقيل لدرجة إن طنين اللمبات الفلورسنت بقى مسموع ومزعج.

— مش هينفع تكملي نوم هنا — قالها **شريف** أخيراً.

— عارفة. حضرتك هتمشيني.

فتح بقه، بس اتأخر في الرد:

— لأ. بس اديني يوم واحد.

ضحكت **فريدة** بمرارة.

Ahmad Suliman

— أنا مش عايزة عطف من حضرتك يا بشمهندس. أنا كل اللي محتاجاه الشغل وبس.

بص لها **شريف** وكأن كلامها ده جرح كبريائه أكتر من أي شتيمة. لف ضهره ومشي، وساب وراه جملة غريبة قبل ما يختفي:

— ابقي هاتي بطانية عدلة. الجو بيبقى تلج بالليل.

في اليوم ده، اشتغلت **فريدة** وكأن مفيش حاجة حصلت. مررت جهاز الباركود على الصناديق، غلفت الطلبيات، وراجعت التكتات. إيديها كانت بتتحرك حركة أوتوماتيكية بينما عقلها كان محبوس في النظرة بتاعته.

على الظهر، استخبت في الحمام عشان تاكل رغيفين عيش بلدي بايتين مع حتة جبنة قريش ناشفة. وهي قاعدة على أرض الحمام، سمعت اسمهما:

— **فريدة**.

الدم اتجمد في عروقها. **شريف رفعت** واقف في حمام السيدات!

— اطلعي لو سمحتي. عايز أتكلم معاكي.

فتحت الباب بعصبية وقالت:

— ما ينفعش حضرتك تخش هنا!

— أنا اتأكدت إن مفيش حد جوه.

— وهل ده معناه إن اللي بتعمله ده صح؟

بص **شريف** للقمة العيش اللي كانت بتحاول تخبيها ورا ضهرها:

— هو ده غداكي؟

— دي حاجة متخصش حضرتك.

— أنا لقيت شقة على بعد ربع ساعة مشي من المخزن — قالها خبط لزق، وكأنه خايف يرجع في كلامه لو اتكلم براحة —. الشركة هتدفع الإيجار كبند من مزايا الموظفين. وأنتِ مش هتدفعي غير الفواتير والاستهلاك بس.

حست **فريدة** بإن في طاقة أمل بتفتح جواها، فقفلتها بسرعة وقالت:

— لأ.

— أنتِ حتى مأخدتيش وقت تفكري!

— الناس اللي زي حضرتك مش بيدوا حاجة للناس اللي زيي ببلاش… بيبقى فيه ثمن بعدين.

اتسمر **شريف** في مكانه وقال:

— عندك حق إنك متثقيش في حد.

— متعملنيش حالة خيرية عشان تعرف تنام بالليل وضميرك مستريح.

لأول مرة، ظهر عليه إنه مش لاقي كلام يقوله:

— خلاص متبصيهاش على إنها عمل خيري. اعتبريها الحاجة اللي كان المفروض تحصل من الأول: شركة متجبرش الشغالين فيها يختاروا بين الأكل أو سقف يحميهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *