المديرة التنفيذية

تجمّد الهواء داخل بوتيك الأزياء الراقي في قلب العاصمة. حتى تلك اللحظة، كان المكان واحة من الهدوء؛ تعزف فيه موسيقى هادئة، وتتردد أصوات هامسة لنساء مجتمع المخملي وهن يتفحصن الحرير والأقمشة الفاخرة. لكن صراخ رانية (الزبونة الغاضبة) مزق هذا الهدوء كخنجر حاد. العباءة الراقية التي ألقتها باحتقار كانت لا تزال هناك، مجعبة فوق الطاولة الزجاجية، كشاهد صامت على كبريائها الزائف.

​كانت رانية تقف وصدرها يعلو ويهبط، رافعة ذقنها بنظرة تفوق مطلقة. كانت تنتظر دموعاً، وتتوقع توسلات. ففي عالمها المبني على المظاهر، كان على أصحاب المآزر والزي الموحد أن يطأطئوا رؤوسهم ويعتذروا بمجرد أن يرفع شخص من “مستواها” صوته.

​لكن ليلى لم تبكِ، ولم ترتجف، ولم ترفع عينيها عن عينَي رانية.

​ببرود محسوب وهدوء يحبس الأنفاس، رفعت ليلى يديها إلى خلف رقبتها. كان صوت فك عقدة مئزر العمل الأسود خافتاً جداً، لكن في صمت المحل الرهيب، رنّ كصوت الرعد. انزلقت القماشة السوداء—التي كانت في نظر رانية رمزاً للدونية—عن كتفيها لتسقط على الأرض بنعومة مهيبة. ومع ظهور بدلتها الرسمية الأنيقة ذات اللون الكحلي، التقطت إضاءة الثريات الكريستالية لمعاناً ذهبياً براقاً. كان بروشاً (دبوساً) صغيراً، هادئاً، لكن الكلمات المنقوشة عليه لم تدع مجالاً للشك: “المديرة التنفيذية”.

​بدأت الهمسات تتعالى، والزبائن رفعوا هواتفهم وبدأوا بتسجيل كل جزء من الثانية، بينما وجه رانية بدأ يتلاشى منه الانتصار بسرعة البرق وتملكها الرعب..

بدأت الهمسات تتعالى، والزبائن رفعوا هواتفهم وبدأوا بتسجيل كل جزء من الثانية، بينما وجه رانية بدأ يتلاشى منه الانتصار بسرعة البرق وتملكها الرعب بعد أن رأت بروش “المديرة التنفيذية”.

​هربت الدماء من وجنتي رانية. عيناها اللتان كانتا تشتعلان غضباً وتعالياً، أصبحتا ترمشان بذهول ورعب حقيقي. يداها المزينتان بخواتم ألماسية باهظة الثمن—والتي بدت فجأة وكأنها تزن أطناناً—بدأتا ترتجفان. المرأة التي كانت تقف أمامها، والتي نعتها بـ “الخادمة الجاهلة” وتمنت لها أن “تموت جوعاً” في الشارع، لم تكن موظفة مؤقتة؛ بل كانت صاحبة سلسلة المتاجر بأكملها، ومالكة المبنى، وفي تلك اللحظة… كانت المتحكمة في مصيرها.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *