طفلة تطلب عملا – محمد نور
## الجزء الأول
كان برد يناير القارس يتسلل عبر الأبواب الدوارة لـ **”برج الأندلس”**، في قلب مدينة **الرياض**. كانت الساعة الثامنة صباحاً، وكان البهو يعجّ برجل الأعمال والمدراء التنفيذيين ببدلهم الأنيقة، يحملون أكواب القهوة وتلتصق الهواتف بآذانهم.
الجميع يسير بخطى سريعة.
ولا أحد ينظر إلى أحد.
فجأة، ظهرت طفلة.
كانت في السابعة من عمرها، ترتدي معطفاً أكبر بكثير من مقاسها، وحذاءً رياضياً ابتعدت عنه الحرارة وابتلّ بماء المطر المنسكب. وعلى صدرها، كانت تطوق بيديها الصغيرتين طفلةً رضيعة لم تتجاوز شهورها الخمسة، ملفوفةً برداء قديم تهالكت ألوانه.
تقدمت الطفلة نحو منصة الاستقبال، وانتظرت دورها خلف عدة أشخاص. وعندما جاء دورها، اعتدلت في وقفتها وكأنها في مقابلة عمل مصيرية.
— “عفواً، هل يمكنني العمل هنا؟”
رمشت الموظفة بعينيها ذهولاً.
— “العمل؟”
— “يمكنني الكنس، أو تنظيف الزجاج، أو حمل الأشياء الخفيفة. أختي الصغرى لم تأكل طوال اليوم.. أحتاج فقط لشراء حليب لها.”
أبطأ بعض المارين خطواتهم ليسمعوا. نظرت امرأة إلى الطفلتين بحزن لكنها واصلت طريقها نحو المصاعد، بينما أصلح رجلٌ ربطة عنقه وتظاهر بأنه لم يسمع شيئاً.
انحنت الموظفة على الطاولة:
— “يا حبيبتي، أين أمك؟”
— “ذهبت ولم تعد.”
— “وأبوك؟”
— “ليس لدينا أب.”
اقترب رجل أمن وهو يضع يده على جهاز اللاسلكي:
— “هل تريدين مني إخرادهما من المبنى؟”
سمعت الطفلة السيطرة في نبرته، فضمت الرضيعة بقوة أكبر ورفعت رأسها بشموخ:
— “أنا لا أطلب صدقة.. أنا أريد أن أعمل.”
وقبل أن يجيب حارس الأمن، أصدرت الرضيعة أنيناً ضعيفاً.
أخرجت الطفلة من جيبها زجاجة حليب صغيرة لم يتبقَّ فيها سوى قطرات معدودة. قطّرتها على إصبعها ووضعتها بحرص على شفتي أختها.
الرضيعة أولاً.
دائماً الرضيعة أولاً.
كانت هذه اللفتة هي ما أوقف **”سليمان العبدالله”**.
كان سليمان في الحادية والخمسين من عمره، وهو مالك الشركة المالية التي تشغل أربعين طابقاً في البرج. يرتدي معطفاً فاخراً ويحمل حقيبة جلدية قد تكسر قراراتها أسواقاً وتغير مصير شركات.
كان خطته أن يصعد مباشرة إلى مكتمبه، لكن وقفة تلك الطفلة أعادت إلى ذهنه ذكريات دفنها منذ 40 عاماً.
عندما كان في التاسعة من عمره، وبعد وفاة والده، وقف سليمان أمام دكان بقالة يعرض ترتيب الصناديق مقابل وجبة طعام. كان يتذكر تماماً نظرات الكبار الخالية من الرحمة، وشعوره بالخزي حين قيل له إن جوعه ليس مسؤولية أحد.