طفلة تطلب عملا – محمد نور
## الجزء الثالث
عُقدت الجلسة بعد ثلاثة أيام.
حضرت “ليلى” برفقة محامٍ، وادعت أنها ارتكبت أخطاءً بسبب ضيق ذات اليد وليس بدافع الشر:
— “أنا من أمنّت لهما سقفاً يحميهما! والسيد سليمان يعتقد أن ثروته تجعل منه أباً أفضل.”
تمسكت مريم بقطعة من رداء نورة القديم.
بدت الوصية المكتوبة رسمية، لكن محامية سليمان اكتشفت ثغرةً قاتلة: لقد تم تصديق الوثيقة بعد أسبوعين من وفاة الأم!
كان التوقيع **مزوَّراً**.
كما ظهرت سجلات المساعدات المالية التي كانت تستولي عليها ليلى، وشهد الجيران بأنهم كانوا يرون مريم تخرج في ظلام الليل تبحث عن طعام بينما تطبق ليلى باب الشقة عليها.
أمرت القاضية بفتح تحقيق جنائي بتهم التزوير والإهمال والاحتيال.
لكنها التفتت إلى سليمان بنبرة جادة:
— “إن إنقاذ طفلتين في موقف عاطفي لا يجعل منك أباً يا سيد سليمان.. هل أنت مستعد للالتزام بهذه المسؤولية بعد أن تنطفئ أضواء هذه القضية؟”
نظر سليمان إلى مريم وقال:
— “لا أعرف كيف أكون أباً مثالياً.. لكنني أعرف تماماً معنى أن تكون طفلاً جائعاً يسمع الكبار يقولون إنه عبءٌ على غيره. ولن أسمح لهما بسماع ذلك مجدداً.”
رفعت مريم رأسها ونظرت إليه لأول مرة بنظرة أمان.
بعد أشهر، أصبحت الوصاية المؤقتة دائمية.
لم تكن هناك تصفيقات في قاعة المحكمة، فالانتصار الحقيقي تجسد في التفاصيل الصغيرة:
* كفّت مريم عن النوم وحذاؤها بجانب الباب.
* سمحت لكتبها بأن تبقى مبعثرة على الطاولة.
* توقفت عن تخزين الأكل في جيوب معطفها.
* أما نورة، فبدأت تخطو خطواتها الأولى، ومقأت البيت ألعاباً، وتعلّمت أن تنادي سليمان: **”بابا سليمان”**.
أما الرداء القديم، فقد طُوِي بعناية ووُضع في الخزانة.. ليس لأنه أفضل من الملابس الجديدة، بل لأنه يذكرهما دوماً بالرحلة التي قطعاها.
لم يعد يرمز للخوف، بل أصبح دليلاً على أنهما **نجتا**.
في صباح يوم سبت، كان سليمان يحضر الفطائر. كانت الأولى محترقة والثانية مشوهة الشكل.
كانت نورة تضرب بالملعقة على كرسيها، بينما بدا شعر مريم منفوشاً وعلى ذقنها أثر من العسل.
بكت الرضيعة تطلب الطعام، فرفعت مريم الشوكة بأسلوب آلي لتطعم أختها قبل أن تتذوق فطورها..
ثم توقفت.
كان طبق نورة ممتلئاً، وسليمان قد تولى إطعامها بالفعل.
نظرت مريم إلى أختها الشبعة والآمنة، ثم أخذت قطعة من فطيرتها وأكلت هي أولاً.