طفلة تطلب عملا – محمد نور

عبر البهو وجثا على ركبتيه أمام الطفلة.

— “ما اسمكِ يا صغيرة؟”

نظرت إليه بنوع من الشك والريبة.

— “مريم.”

— “وهذه الصغيرة؟”

— “نورة.”

— “ومتى أكلتِ أنتِ آخر مرة؟”

أدارت مريم وجهها بعيداً:

— “أنا لستُ الصغيرة.”

شعر سليمان بغصة في صدره.

— “أنا لم أسألكِ من هي الصغيرة.. سألتكِ متى أكلتِ أنتِ؟”

لم تجب مريم.

وقف سليمان ونظر إلى حارس الأمن بنبرة حاسمة:

— “لن يخرج أحدٌ هاتين الطفلتين.”

أمر بتجهيز قاعة اجتماعات خاصة. وقامت مساعدته، **”سارة”**، بتوفير الحليب، والحفاضات، وملابس جافة، ووجبة طعام ساخنة.

رفضت مريم أن تجلس حتى تجهز زجاجة الحليب بالكامل.

قاست مسحوق الحليب دون أن تسقط منه ذرة واحدة، واختبرت حرارته على معصمها، ثم أطعمت “نورة” ببراعة أمٍّ خبيرة.

وأوضحت وهي تطعمها: “هي تحبه أدفأ قليلاً مما هو مكتوب على العلبة.”

ظل سليمان يراقبها في صمت أمومتها المبكرة.

وعندما وضعت “سارة” طبقاً من الحساء الدافي أمام مريم، سألت الطفلة فوراً:

— “ما الذي يتوجب عليّ تنظيفه مقابل هذا؟”

أجابتها سارة: “لا شيء.”

لم تلمس مريم الملعقة.

— “لا يوجد شيء اسمه (لا شيء).”

كان هناك ورقة مطوية تبرز من جيب معطفها. أخذت سارة إذناً لرؤيتها، فإذا هي قائمة مكتوبة بقلم تلوين شمعي:

* “إطعام نورة.

* تنظيف الأرضية.

* شراء حفاضات.

* عدم إصدار أي صوت.

* عدم إغضاب ليلى.

* ألا أخطئ.”

سألها سليمان: “من هي ليلى؟”

— “قريبة أمي.. نعيش معها.”

— “وأين أمكِ؟”

خفضت مريم رأسها:

— “توفيت قبل 8 أشهر.”

خيّم الصمت على الغرفة.

وتابعت مريم: “تقول ليلى إنها ترعانا، لكنني أنا من يفعل ذلك معظم الوقت. وتقول أيضاً إن أحداً لو علم، فسيأخذون نورة ويعطونها لعائلة أخرى.”

تسارعت أنفاسها وهي تضيف متوسلة:

— “لا تدعوهم يفرقون بيننا! أنا أتقن تحضير حليبها، وأعرف الحفاضات التي لا تسبب لها حساسية.. أستطيع أن أعمل أكثر!”

حضرت طبيبة أطفال لمعاينة الرضيعة، وتبين أن “نورة” تعاني من الجفاف والبرد ولم تخضع لفيصات منذ أشهر. وأوضحت الطبيبة أنها ملزمة قانوناً بإبلاغ الرعاية الاجتماعية.

تراجعت مريم للخلف بذعر:

— “لا! سيأخذون أختي مني!”

جثا سليمان على ركبتيه مجدداً وقال بتهدئة:

— “اسمعيني جيداَ.. لن أعدك بشيء لا أستطيع طبخه، لكنني سأفعل كل ما هو ممكن قانونياً لتبقيا معاً.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *