الوصية – محمد نور
الوصية – محمد نور
ترك لها والداها “كراجاً” بقيمة 10 دنانير في الوصية — وكان بداخلها شيءٌ لا يُقدّر بثمن…
بعد وفاة الحاج توفيق وزوجته أمينة بفارق ثلاثة أشهر، جلس أبناؤهما في مكتب المحامي لسماع تفاصيل الوصية.
ورث الابن الأكبر، رشيد، البيت، بينما حصلت دلال على المدخرات المالية والسيارة.
أما كريمة، الصغرى—التي عادت إلى بيت العائلة في سن الثامنة والثلاثين وقضت خمس سنوات كاملة ترعى والدتها وتحتضن يد والدها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة—فقد خُصص لها سطرٌ واحد فقط في الوصية: مستودع منفصل في شارع المشاتل. وقُدّرت قيمته بـ عشرة دنانير فقط، وهو مبلغ وصفه شقيقها بـ “العادل”، ولم تعترض عليه شقيقتها.
قادت كريمة سيارتها نحو المستودع بمفردها، وهي لا تتوقع سوى الغبار والأدوات القديمة التي كساها الصدأ.
هناك وجدت طاولة العمل الفولاذية، واللوحة الجدارية المعلقة، ورائحة نشارة الخشب الزكية التي لا تزال تفوح بأنفاس والدها، لكن خلف باب مخفي لم تلاحظه طوال حياتها، كان يقبع شيءٌ أمضى الحاج توفيق أربعين عاماً يبنيه في خفاء تام…
كان مكتب المحامي يقع في الطابق الثاني من بناية قديمة تفوح منها رائحة المنظفات الصناعية وخزائن الملفات العتيقة. وُضعت ثلاثة مقاعد في صف واحد أمام المكتب، وجلست كريمة في المنتصف.
كان رشيد عن يسارها يتفقد هاتفه، بينما كانت دلال عن يمينها تقرع بأظافرها بتوتر على مسند المقعد. أما المحامي، الأستاذ عادل، فقد تولى إدارة تركة الوالدين وكان يعرف الحاج توفيق لأكثر من خمسة عشر عاماً.
قال الأستاذ عادل وهو يفتح ملفاً ورقياً ويعدل نظارته: “كان والدكم محدداً للغاية، بل أكثر تحديداً من معظم الموكلين الذين تعاملت معهم طوال حياتي.”
وضع رشيد هاتفه مقلوباً على ركبته لينصت. بدأ المحامي بقراءة ما يخص البيت أولاً، واصفاً الغرف الأربع، والحديقة التي اعتنت بها والدتهم لعقود، والممر الذي أوقف فيه والدهم شاحنته القديمة لعشرين عاماً.
أعلن المحامي: “كل ذلك لـ رشيد.”
هز رشيد رأسه متمتماً بأنه أمر طبيعي لأنه الابن الأكبر، رغم أن أحداً لم يسأله إن كان ذلك منصفاً للجميع.
ثم قرأ المحامي ما يخص المدخرات: واحد وأربعون ألف دينار في حساب مشترك، وسياراتها القديمة.
قال المحامي: “كلها لـ دلال.”