تجاهلها وتعرف على صديقتها – محمد نور
في صباح يوم زفافها، شاهدت أميرة خطيبها طارق يتعرف على صديقتها المقربة وهو معصوب العينين، بعد أن مرّ من أمامها هي دون أن يشعر بها.
كانت المشهد يبدو طريفاً في بدايته. ففي جناح فاخر بإحدى استراحات الرياض، نظمت ابنة خالتها سارة لعبة خفيفة لتلطيف الأجواء المشحونة: كان على طارق أن يلمس أيدي أربع نساء، ويحدد أيهن زوجة المستقبل التي سيعقد قرانه عليها بعد ساعات قليلة.
لمس اليد الأولى، ثم الثانية. وكانت أميرة هي الثالثة.
بعد ست سنوات من العِشرة، وتقاسم إيجار الشقة، وليالي الأعياد، والعطلات، واللحظات الحزينة، ورسم الأحلام المشتركة… وضع طارق يده في يدها لأقل من ثلاث ثوانٍ.
ثم تركها.
وحين وصل إلى ريم، الشاهدة على عقد القِران وصديقة أميرة المقربة منذ ثلاث عشرة سنة، تغيرت حركته. صعدت أصابعه ببطء نحو معصمها، وتوقفت عند شامة بَنِيّة صغيرة جداً.
شعرت أميرة بغصة في حلقها وانعقاد في معدتها. كانت تعرف هذه الشامة منذ أيام دراستهما الجامعية، ولم يكن هناك أي سبب يبرر معرفة طارق بها!
أطبق طارق أصابعه على يد ريم.
وفازت ريم بضغط خفيف ومتبادل على يده.
حاولت سارة أن تلطف الجو بضحكة مستعارة:
— يبدو أن عريسنا أخطأ في عروسه!
نزع طارق العصابة عن عينيه بحدة، واختفت ابتسامته:
— مستحيل…
ثم تدارك موقفه بسرعة مفرطة:
— أربكني الأمر… أقصد، مستحيل ألا أتعرف على أميرة.
لم ينطق أحد بحرف.
همست ريم:
— مجرد مصادفة لا أكثر.
لكن أميرة بدأت ترى الآن كل التفاصيل الصغيرة التي طالما تناست ربطها ببعضها:
عطر ريم المفضّل كان برائحة زهر البرتقال. وطارق كان قد أهداها مرتين شموعاً برائحة زهر البرتقال، رغم علمه التام بأن أميرة تكره هذه الرائحة!
في هذه الأثناء، طرحت سارة تحدياً ثانياً: أربعة تسجيلات صوتية لنساء ينطقن بالعبارة نفسها.
وما إن انطلق صوت ريم، حتى ابتسم طارق فوراً وقال:
— هذه هي!
نزع العصابة مجدداً، وكانت ريم تقف أمامه مباشرة.
هذه المرة، لم يضحك أحد.
وسكن شيء ما داخل أميرة بنوع من الهدوء المريب.
— أحتاج عشر دقائق بمفردي.
قطّب طارق حاجبيه:
— أميرة، زفافنا بعد خمس ساعات!
— ولهذا السبب تحديداً أحتاج هذه الدقائق.
خطت ريم خطوة نحوها:
— يمكنني البقاء معكِ.
— لا.
وللحظة خاطفة، ألمحت أميرة طيفاً من الخوف في عيني ريم.