المزرعة الغامضة – محمد نور

شَرَتْ مَزْرَعَةً مَهْجُورَةً بِمَسَاحَةِ 120 فَدَّانًا لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ — وَبَعْدَ 8 أَشْهُرٍ أَدْهَشَتِ المِنْطَقَةَ بِأَكْمَلِهَا

ظن جميع أهل القرية أن “كريمة” قد ارتكبت أكبر خطأ في حياتها عندما وقعت أوراق المزرعة المنسية الممتدة على مساحة 120 فداناً. في الثامنة عشرة من عمرها، ورثت أرضاً كان غالبية الناس قد يئسوا منها؛ فالإسطبلات كانت متهالكة، والأسوار منهارة، والأرض التي حملت يوماً اسم جدها تحولت إلى كابوس مالي. لكن كريمة كانت تعرف شيئاً عن تلك المزرعة لا يفهمه أحد غيرها: جدها لم يكن ليترك شيئاً جذافاً أبداً دون سبب.

تفحص مدير البنك طلب القرض الخاص بها، ثم رفع بصره نحوها ببطء من خلف مكتبه، وسألها: «كم عمرك؟»، فأجابته كريمة بصوت هادئ: «ثمانية عشر عاماً». أعاد الأوراق إليها وهو يهز رأسه، مؤكداً أن المزرعة لم تحقق أي دخل يذكر منذ سنوات، وأن هناك ديوناً حكومية مسجلة باسمها تقارب 150 ألف ريال.

قالت كريمة دون أن ترمش لها عين: «أستطيع سداد القرض». اتكأ المصرفي إلى الخلف في كرسيه وطرح السؤال الذي كانت تتوقعه: «بناءً على ماذا؟ لديك أرض لم يستطع أحد جعلها رابحة». لم يستغرق الاجتماع سوى حادية عشرة دقيقة، لكنها كانت كافية لتفهم كريمة كيف يراها الجميع.

شكرته بأدب، وخرجت لتركب شاحنة جدها القديمة. كان المطر يهطل على الزجاج الأمامي وهي جالسة بمفردها تتنقل ببصرها بين أوراق الملكية. لمدة عشر دقائق، فكرت في التراجع والبحث عن الممثل القانوني لإلغاء كل شيء، لكنها أدارت المحرك في النهاية وعادت إلى المزرعة.

في الصباح التالي، كان حاج متربص من كبار الملاك في المنطقة، يدعى “شاهين”، ينتظرها عند البوابة. نظر إلى الأرض المنهكة وعرض عليها 700 ألف ريال نقداً لشراء المزرعة بأكملها. كان المبلغ أكبر مما رأته كريمة في حياتها، وكافياً لسداد الدين وتأمين مستقبل مرتاح. قال لها: «أنا أعرض عليك رفع هذا العبء عن كاهلك يا بنتي».

شعرت كريمة بانقباض في صدرها وهي تنظر من ورائه نحو المنزل الريفي القديم والحقول التي رعاها جدها، فردت: «سأفكر في الأمر». ابتسم المالك الحاج متأكداً أنها ستوافق، وحذرها قائلاً: «لا تطيلي التفكير، فالأرض لا تنتظر حتى يتعلم أصلها».

في تلك الليلة، كانت العواصف تضرب نوافذ المنزل بنفحات باردة بينما جلست كريمة على طاولة المطبخ، محاطة بالفواتير وتقديرات الصيانة والأرقام التي يمتنع حسابها عن الاستقامة. كانت أسعار العلف ترتفع، والوقود ينفد، وكل زاوية في المزرعة تطالبها بما لا تملكه. كادت تقنع نفسها بأن البيع هو الخيار العقلاني الوحيد، لكنها تذكرت شيئاً غريباً كان جدها قد أخفاه تحت الصندوق الخشبي القديم.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *