العم منصور
مزارع يرعى شيخاً طريح الشارع بعد أن تخلت عنه عائلته — ولم يستطع أن يتركه ويغادر.
الجزء الأول
تخلت عائلته عن الشيخ “العم منصور” وجعلوه ملقى على جانب الطريق الصحراوي الممتد نحو المزارع، وبجانبه غطاء رطب، وحقيبة أدوية فارغة، وورقة مطوية كُتب فيها: “لم نعد قادرين على رعايته”.
لمحه “سلمان” مع تباشير الصباح، وهو يستقل شاحنته القديمة متجهاً إلى حقل الفول. كان سلمان في الرابعة والثلاثين من عمره، يداه مشققتان من أثر العمل في الأرض، ولا يملك من المال إلا ما يكفي سد رمق بيته الصغير الذي يجمعه بزوجته “مريم”. كان بإمكانه أن يكمل طريقه دون التفات، وبالفعل واصل قيادته لنحو عشرين متراً، لكنه ضغط على المكابح، وعاد بالخلف، ثم نزل إليه.
كان الشيخ يبدو في الثمانين من عمره، بلحية غير مرتبة، وشفتين جافتين، ونظرات تائهة وكأنه لا يدري في أي عالم يعيش.
— ما اسمك يا حاج؟
تأخر الشيخ في الإجابة، ثم قال:
— منصور… أظن ذلك.
— من الذي تركك هنا؟
أغمض العم منصور عينيه بشدة، وسالت دمعة بين تجاعيد وجهه:
— ابنتي قالت إنني أصبحت عبئاً عليها.
شعر سلمان بغصة في صدره؛ فقد توفي والده وهو صغير، لكنه كان يكرر عليه دائماً أن الرجل قد يكون فقيراً لكن لا ينبغي أن يكون قاسي القلب. رفعه إلى الشاحنة وعاد به إلى البيت.
كادت مريم أن تسقط إبريق الشاي من يدها عندما رأت زوجها يدخل محمولاً بغريب.
— سلمان! لا تقل لي إنك تنوي إبقاءه هنا!
— لقد تركوه على طريق السفر.
— وهل تحول بيتنا إلى دار رعاية؟ كاد المال لا يكفي لشراء الطحين هذا الأسبوع!
— لم أستطع تركه يموت هناك.
— وماذا لو كانت عائلته تبحث عنه؟ ماذا لو كان مريضاً؟ ماذا لو اتهمونا غداً بخطفه؟
أوى سلمان الشيخ في غرفة الأدوات الملحقة بحوش الماشية، وقال:
— لو كان هذا والدكِ، لكُنتِ تمنيتِ أن يتوقف له أحد.
سكتت مريم؛ فقد ألجمتها العبارة لأن والدتها كانت مريضة منذ سنوات، وتعرف جيداً مرارة رعاية المريض وثقلها.
كانت الأيام الأولى أصعب مما تخيلا. كان العم منصور يستيقظ صارخاً بأسماء لا يعرفها أحد، ويحاول الخروج في هزيع الليل الأخير، ويقرفص ساكباً الطعام، وأحياناً لا يتعرف على سلمان. وفي إحدى الليالي كسر جرة ماء وهو يبحث عن باب لا وجود له.
— أخذوا أوراقي ومستنداتي! — صرخ فجأة — فاطمة أخذت كل شيء!