ارملة تنقذ رجلا وابنته من المطر
قالها وهو يتلفّت حوله كأن كل دقيقة إضافية في ذلك البيت البسيط تُثقِل عليه، لا لأنه لا يريد البقاء، بل لأنه لم يعتد أن يكون ضيفًا… ولم يعتد أكثر أن يُقابَل هذا القدر من اللطف دون مقابل.
عقدت دالڤا ذراعيها، ونظرت إليه نظرة حازمة تحمل شيئًا من الأمومة التي لم تفارقها رغم وحدتها الطويلة.
«في مثل هذه الطريق؟ أتغامر بإخراج الطفلة مرة أخرى؟»
تردد للحظة، ثم
قال بصوتٍ منخفض:
«لا أستطيع أن أستغلّ طيبتك.»
اقتربت خطوة، وقالت بنبرة لا تحتمل النقاش:
«الطيبة لا تُقاس عندما يكون طفلٌ في الأمر… ستبيتان هنا الليلة، وانتهى.»
لم يجد ما يقوله.
تلك البساطة في القرار أربكته.
لم تكن صفقة، ولا مجاملة، ولا انتظارًا لردّ جميل.
كانت… إنسانية خالصة.
في تلك الليلة، أصرّت دالڤا أن تنام هيلينا في غرفتها الصغيرة، حيث وضعت لها وسادةً نظيفة، وغطّتها بأثقل بطانية تملكها. أما هي، ففرشت لنفسها فراشًا بسيطًا في الصالة، قرب النافذة التي ما زالت تصدر صفيرًا خفيفًا مع بقايا الريح.
وقبل أن تُطفئ الضوء، سمعت همسًا خافتًا من داخل الغرفة.
«أبي… لماذا ساعدتنا هذه السيدة؟»
ساد صمت قصير… كأن السؤال أصاب مكانًا عميقًا في قلب الرجل.
ثم جاء صوته مكسورًا، محمّلًا بشيءٍ من الندم:
«لأن الخير… ما زال موجودًا في هذا العالم.»
أغمضت دالڤا
عينيها ببطء، وشعرت بشيءٍ دافئ يمرّ في صدرها.
لم تكن بحاجة إلى أكثر من ذلك.
في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد بدأت بالكاد تشق طريقها بين الغيوم الثقيلة.
استيقظت دالڤا على صوت غير مألوف…
صوت محرّكات… كثيرة.
اقتربت من النافذة، وسحبت الستارة بحذر.
تجمّدت في مكانها.
أمام بيتها الصغير… كانت تقف سيارات سوداء فاخرة، مصطفّة بشكل منظم، وكأنها جزء من موكب رسمي.
أبواب تُفتح.
رجال ببدلات أنيقة ينزلون بسرعة.
أجهزة اتصال في آذانهم.
نظرات حادّة تمسح المكان.
شعرت دالڤا بشيءٍ من القلق.
قبضت على طرف مئزرها دون وعي.
«ماذا يحدث…؟» همست لنفسها.
وفي تلك اللحظة…
فتح باب
الصالة.
خرج الرجل.
لكن… ليس كما رأته الليلة الماضية.
كان واقفًا الآن بثبات، بملابس نظيفة وأنيقة، شعره مصفف، وملامحه أكثر صرامة… أكثر حضورًا.
لم يعد ذلك الرجل المرهق تحت المطر.
بدا… كأنه شخص آخر.
نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: