الشرطي

أغمضت ليلى عينيها.

تنفست مرة… ثم مرتين.

وعندما فتحتهما، اختفت الدموع.

وحل محلها شيء أخطر بكثير.

القرار.

قالت لمساعدها فورًا:

— الغوا كل مواعيدي… راجعة القاهرة حالًا.

— لكن يا فندم عندك جلسة مهمة بكرة…

قاطعتْه بحدة:

— قلت ألغوها.

بعد أربع ساعات، دخلت ليلى بيت أمها.

حاولت نادية أن تبتسم، لكن آثار الأصابع كانت لا تزال واضحة على خدها.

وضعت ليلى حقيبتها واقتربت دون كلام، ثم أمسكت وجه أمها برفق. وما إن رأت الكدمة عن قرب حتى ارتجفت يداها من الغضب.

— ليه ما كلمتنيش؟

خفضت نادية عينيها وقالت:

— الراجل ده وراه ناس كبار… قال إن نائب بيحميه. مكنتش عايزاكي تدخلي في مشاكل.

ضغطت ليلى على أسنانها:

— يا أمي… لو ظابط يقدر يضـ,ـرب ست كبيرة في نص الشارع ويروح ينام عادي، يبقى المشكلة مش مشكلتك لوحدك… دي مشكلة بلد كاملة.

قالت الأم بخوف:

— سيبيه يا بنتي… أنا خايفة عليكي.

أمسكت ليلى يدها وقالت:

— الأذى حصل فعلًا… دلوقتي جه وقت الحساب.

في صباح اليوم التالي، ارتدت ليلى ملابس بسيطة: جينز وبلوزة بيضاء، وربطت شعرها للخلف حتى لا يتعرف عليها أحد.

ذهبت وحدها إلى القسم الذي يعمل فيه شريف.

كانت تريد أن ترى كيف يعاملون المواطن العادي.

رائحة المكان كانت خليطًا من القهوة الباردة والملفات القديمة. والضابط الجالس عند الباب لم يرفع عينيه أصلًا.

قالت بهدوء:

— عايزة أعمل بلاغ.

— ضد مين؟

— ضد المقدم شريف العطار. امبارح اعتدى على سيدة في الشارع.

ضحك الضابط باستهزاء:

— ضد شريف؟ يا آنسة روحي بيتكم أحسن… متلعبيش بالنـ,ـار.

قالت بثبات:

— حضرتك ملزم تستلم البلاغ.

ابتسم بسخـ,ـرية:

— يا سلام… كمان محامية.

في تلك اللحظة، دخل شريف من الباب الخلفي، يمضغ علكة ويرتدي زيه بإهمال وثقة مقززة.

— في إيه هنا؟

قال الضابط ضاحكًا:

— البنت دي جاية تعمل فيك محضر.

نظر شريف إلى ليلى من أعلى لأسفل وقال:

— وإنتِ مين بقى؟

— مواطنة مصرية.

ضحك باحتقار:

— يبقى تتعلمي إن المواطن هنا ملوش صوت. والعجوز بتاعة امبارح خدت اللي تستحقه.

شعرت ليلى أن الدم يغلي داخلها، لكنها تماسكت.

— يعني حضرتك بتعترف إنك ضـ,ـربتها؟

ضحك بصوت أعلى:

— أعترف إني أعمل اللي أنا عايزه. ولو طولتي لسانك ممكن أعلمك الأدب زيها.

انفجر بعض الضباط بالضحك.

أخرجت ليلى هاتفها واتصلت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *