الشرطي
عندما نزل من السيارة، ظنت أن الأمر انتهى.
لكن شريف دار حول السيارة، ثم ضـ,ـرب مقدمتها بيده بعنـ,ـف وقال:
— انزلي.
سألته بارتباك:
— خير؟ في إيه تاني؟
قال بابتسامة ساخرة:
— كنتِ ماشية بسرعة زيادة… المخالفة بعشرة آلاف جنيه.
اتسعت عيناها بدهشة:
— حضرتك اللي طلبت مني أسرع!
ضحك باحتقار:
— عندك دليل؟
بدأ الناس يلتفتون حولهما. بعضهم اقترب للمشاهدة… لكن لا أحد تدخل.
نزلت نادية من السيارة ويداها ترتجفان، وأخرجت الرخصة والتأمين وكل الأوراق السليمة. أمسكها شريف بلا مبالاة، ثم ألقاها على الأرض.
— الورق ده ميسواش حاجة. يا تدفعي دلوقتي… يا أحجز العربية.
انحنت نادية تجمع أوراقها وهي تشعر أن وجهها يحترق من الإهـ,ـانة.
قالت بصوت مكسور:
— أنا معملتش حاجة غلط… ومش هدفع رشوة.
تغير وجهه فجأة.
— بتتحديني يا عجوز؟
رفعت رأسها وقالت:
— أنا بقول الحقيقة بس.
وفي لحظة…
جاءتها الصفعة.
صفعة قوية مدوية أمام عشرات الناس.
طار نظارها وسقطت على الرصيف فاقدة توازنها. لم تسمع شيئًا لثوانٍ، سوى طنين داخل رأسها وألم مشتعل في خدها.
انحنى شريف فوقها وقال ببرود مرعب:
— روحي اشتكي لمين ما تشتكي. المنطقة دي أنا اللي بحكمها… وفوقي النائب كمال البدرى. وريني مين يقدر يقف قصادي.
بكت نادية بصمت.
ليس من الألم… بل من الإهانة.
امرأة قضت عمرها تعمل بشرف، وتربي ابنتها وحدها، وتعلمها احترام القانون… تُصفع الآن في الشارع كأنها لا تساوي شيئًا.
على الجانب الآخر من الطريق، كانت الصحفية المستقلة هبة منصور تجلس في مقهى قريب، وقد سجلت كل شيء بهاتفها منذ البداية: التهـ,ـديد، والابتـ,ـزاز، والصفعة.
أرسلت الفيديو فورًا إلى صديقتها القديمة ليلى الشافعي.
“ليلى… شوفي الفيديو حالًا. دي والدتك. والضابط اسمه شريف العطار.”
كانت ليلى وقتها في الإسكندرية خارجة من اجتماع أمني بصفتها المدعية العامة الإقليمية، حين وصلتها الرسالة.
في البداية لم تفهم.
ثم ضغطت تشغيل.
رأت أمها على الأرض.
رأت يد الضابط.
رأت الدم عند طرف شفتيها.
ورأت الناس صامتين.
تحول العالم أمامها إلى لون أحمر.
في تلك اللحظة لم تعد مسؤولة كبيرة…
بل مجرد ابنة تشاهد المرأة التي باعت الطعام وخاطت الملابس وتحملت المطر والجوع حتى تدخل ابنتها كلية الحقوق… تُهان في الشارع.