الحريق في الذاكرة
انكسرت ملامح إلينا بالكامل.
طول الوقت كانت تعتقد إنها باعت نفسها لإنقاذ أمها… لكن الرجل اللي جلست تخاف منه، كان نفس الشخص اللي خاطر بحياته يوم كانت طفلة.
وفجأة…
انفتح الباب بقوة.
دخلت السيدة هاميلتون ووجهها شاحب بشكل مخيف.
صرخت: “كفاية! ما أبي أسمع أي كلمة عن ذاك الحريق مرة ثانية!”
وقف ليام ببطء، ونظر لأمه لأول مرة بدون خوف.
وقال: “ليش؟ لأن الحقيقة بتطلع أخيرًا؟”
ارتجفت إلينا وهي تطالع بينهم.
همست: “أي حقيقة؟”
ساد الصمت.
ثم قال ليام بصوت بارد: “الحريق… ما كان حادث.”
ساد الصمت داخل الغرفة، ثقيل لدرجة إن إلينا كانت تسمع دقات قلبها.
نظرت بين ليام وأمه بخوف.
همست: “وش تقصد إن الحريق ما كان حادث؟”
أغمضت السيدة هاميلتون عيونها للحظة، وكأنها تعبت من الهروب.
لكن ليام تكلم قبلها.
قال بصوت هادئ، موجوع: “أبوي كان يملك المبنى اللي كنتوا ساكنين فيه. وكان عليه ديون كبيرة. شركة التأمين كانت بتدفع ملايين لو احترق.”
شهقت إلينا، وشعرت ببرودة تمشي في جسمها.
كمل: “في ذيك الليلة… اشتعلت النار فجأة بكل الطابق. الناس قدروا يهربون… إلا أنتِ.”
التفت بعينه نحو أمه.
“وأنا سمعتهم.”
ارتجفت السيدة هاميلتون: “ليام—”
لكنه قاطعها: “سمعت أبوي يقول: خلّوها تخلص بسرعة قبل توصل الشرطة.”
وضعت إلينا يدها على فمها وهي تبكي بصمت.
قال ليام: “لما عرفت إن فيه طفلة لسه فوق، ركضت أدور عليك. أبوي حاول يمنعني… لكني دخلت.”
خفض نظره إلى رجوله المحروقة.
“وهذي كانت النتيجة.”
سقطت السيدة هاميلتون على الكرسي وكأن قوتها انتهت أخيرًا.
قالت بصوت مكسور: “أبوك مات بعدها بسنة… وأنا دفنت كل شي. دفعت للشرطة، وغيرنا التقارير، وانتقلنا من الولاية. كنت أبي أحمي اسم العائلة… وأحمي ليام من العيش بفضيحة طول عمره.”
التفتت إلى إلينا والدموع بعينيها: “ولما مرضت أمك، وعرفت إنك تشتغلين عندنا… حسيت إن الله رجّعك لنا كعقاب.”
سكتت الغرفة.
ثم تقدمت إلينا ببطء نحو ليام.
كان واقفًا كأنه مستعد يسمع منها أي شيء: كره، خوف، شفقة…
لكنها رفعت يدها ولمست آثار الحروق على ساقه برفق.