الحريق في الذاكرة

 

ببطء رفع طرف البنطلون لين ركبته. انقطع نفس إلينا. رجوله كانت مغطاة بندوب حروق عميقة، الجلد ملتف وغير مستوٍ، آثار موجعة لحريق قديم ما مر عليه الزمن بسلام.

 

لكن بدل ما تنفر، تجمدت عيونها على ندبة صغيرة فوق ساقه اليمنى… ندبة على شكل هلال مكسور.

 

ارتجفت شفايفها، ودموعها نزلت قبل لا تفهم نفسها.

 

همست: “مستحيل… أنت هو؟”

 

ليام تغيّر وجهه، وكأن اسمًا مدفونًا رجع من الموت.

 

والأغرب… إن السيدة هاميلتون كانت واقفة خلف الباب، تسمع كل كلمة…

ارتجفت شفايف إلينا وهي تطالع ندبة الهلال فوق ساقه.

 

همست بصوت متقطع: “مستحيل… أنت هو؟”

 

تجمّد ليام مكانه. حتى أنفاسه اختفت للحظة.

 

قال ببطء: “تعرفيني؟”

 

رفعت يدها على فمها، والدموع تنزل بدون توقف.

 

“الولد… اللي طلعني من الحريق.”

 

اتسعت عيون ليام، وكأن السنين كلها رجعت دفعة وحدة.

 

قبل خمسة عشر سنة، كانت إلينا عايشة مع أمها في شقق قديمة رخيصة على أطراف المدينة. وفي ليلة شتوية، اشتعلت النار بالمبنى. الناس كانوا يصرخون ويهربون، وإلينا الصغيرة علقت داخل غرفتها بعد ما انهار الباب.

 

كانت تتذكر الدخان… الحرارة… وصوت طفل يصرخ باسمها.

 

ولد صغير دخل النار رغم الناس اللي كانوا يحاولون يمسكونه. كسر النافذة، وطلعها برا وهو يغطيها بجسمه. آخر شيء شافته قبل ما تفقد الوعي… كان رجوله وهي تحترق تحت الخشب المشتعل.

 

وفوق ساقه… ندبة هلال صغيرة.

 

شهقت إلينا وهي تبكي: “أنت أنقذتني…”

 

خفض ليام عيونه بسرعة، كأنه ما تعود يسمع هالكلمات.

 

وقال بابتسامة حزينة: “وأنتِ نسيتيني.”

 

هزت رأسها بسرعة: “لا والله ما نسيتك… أنا بس ما عرفت شكلك. كنت أدور عليك سنين.”

 

خارج الغرفة، خلف الباب، شدّت السيدة هاميلتون يدها بقوة حتى ابيضّت أصابعها.

 

أما ليام، فظل يطالع إلينا بصمت طويل، ثم قال أخيرًا: “أنا عرفتك من أول يوم دخلتي فيه القصر.”

 

رفعت إلينا عيونها بصدمة.

 

كمل بصوت منخفض: “عرفتك من طريقتك بالكلام… من السلسلة اللي برقبتك… نفس السلسلة اللي كنتِ لابستها ليلة الحريق.”

 

شهقت إلينا وهي تمسك السلسلة الصغيرة حول عنقها.

 

قال: “وافقت على الزواج مو لأن أمي ضغطت علي… وافقت لأنك أنتِ.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *