هذا بيتي

كنت أظن.

اشترينا الشقة في السنة الثانية من زواجنا. شقة كبيرة بثلاث غرف، مكتب مستقل، مطبخ واسع، وشرفة تطل على فناء مغلق تجلس فيه الجارات مساءً، حيث تفوح رائحة الأرض المبتلة بعد المطر. لقد وقعتُ في حب هذا المطبخ قبل أن أكمل معاينة الرواق.

أنا من عثر على هذا المسكن.

أنا من قارن بين الخيارات، وفاوض البائعين، وسهر الليالي يدقق في الإفادات، والعقود، والمدفوعات، والشروط البنكية، وكل سطر مكتوب، بينما كان أمجد يقول: «أمل، ثقي بي»، ثم يشغل التلفاز.

أحببتُ تلك الشقة حباً عميقاً وناضجاً؛ ليس لأجل بلاطها، ولا خزائنها، ولا الإطلالة من نافذتها.

أحببتُ ما كانت ترمز إليه: الاستقرار، المستقبل، والمكان الذي يمكنني أن أهرم فيه يوماً ما دون خوف.

لم تأتِ الإشارة الأولى بصراخ، فالإشارات لا تأتي هكذا أبداً.

بعد ثمانية أشهر من انتقالنا، أخذت الحاجة خديجة تتردد علينا بكثرة. كانت دائماً منمقة، تفوح منها رائحة العود الثمين والاستحسان البارد الذي تجود به بجرعات محسوبة كالدواء. كانت تبتسم بقدر لا يمكن معه اتهامها بالوقاحة، وتتجول في الشقة كأنها تجري جرداً للممتلكات.

تمرر أصابعها فوق أسطح الطاولات، وتقف عند حواف الأبواب، وتتأمل الشرفة، والمخزن، والأثاث الجديد. وذات يوم دخلت غرفة نومنا، وأجالت بصرها فيها ثم قالت في خفوت:

— «أساس جيد».

عبارة غريبة تقال في بيت ليس بيتها.

حفظتُ العبارة في ذاكرتي.

فأنا دائماً أتذكر.

أما الإشارة الثانية فقد أتت على ورق.

كنت أتولى الشؤون المنزلية بالكامل تقريباً: فواتير الخدمات، التأمين، الإخطارات الضريبية، الإصلاحات، الاستقطاعات البنكية. كان أمجد رجلاً مشتتاً بشكل استراتيجي؛ يضيع الوثائق، ينسى التواريخ، يعد بالحل ولا يفي.

وبعد ذلك، كنت أنا من يتولى الحل.

في أحد الأيام، وأثناء تجديد تأمين الشقة، لاحظت أمراً غريباً. كان رقم العقد هو نفسه، والعنوان نفسه، لكن المؤمن له الأساسي لم يعد نحن.

كان الاسم المكتوب هناك: خديجة.

نظرتُ إلى الورقة المطبوعة طويلاً. بدت الورقة باردة بين أصابعي — برودة حافظة المستندات القانونية، برودة فعلة ارتكبت دون النظر في الأعين.

وضعتها في ملف.

تنفستُ بعمق.

ولم أنطق بكلمة.

كل ما فعلته أنني بدأت أراقب بتركيز أكبر.

يظن معظم الناس أن الخيانة تظهر في المراسلات، أو المكالمات الليلية، أو أثر أحمر شفاه غريب على الياقة. لكنني بحكم عملي أعرف أمراً آخر: غالباً ما تظهر الحقيقة أولاً في الوثائق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *