هذا بيتي
فالأوراق لا تشعر بالذنب، ولا ترتبك، ولا تبكي.
هي فقط تثبت الوقائع.
ذات مساء، قال أمجد إنه سيتناول العشاء مع زبائن وبرفقة والدته. فتحتُ حاسوبي المحمول، ودخلت إلى الحساب الإلكتروني الموحد للشهر العقاري، وطلبتُ كشفاً من سجل الحقوق العينية والملكية، وأدخلت عنوان شقتنا.
فتح الملف على الفور.
وكان كل شيء مدوناً هناك.
قيدٌ أُدخل منذ عام ونصف تقريباً، وتحديداً في ذلك الأسبوع الذي أتذكره تفصيلاً: كنت مسافرة في مهمة عمل إلى العاصمة، وقبل رحيلي، أحضر لي أمجد عدة حزم من الأوراق لتوقيعها — زاعماً أنها تخص القرض، وإعادة تنظيم المدفوعات، وتدقيقات بنكية اعتيادية.
اعتيادية.
لا، لم تكن كذلك.
كان من بين تلك الأوراق تنازل عن الحقوق، وبسببه تبخرت حصتي العقارية، وانتقلت السيطرة على الشقة إلى والدته خديجة. لم يكن اسمي محمياً بالشكل الذي وعدني به أمجد، ورغم ذلك، كانت مدفوعات الرهن العقاري، والإصلاحات، والاستثمارات تمر عبر أموالي، وتاريخي الائتماني، وعملي.
قرأتُ الكشف ثلاث مرات.
ثم أغلقت الحاسوب.
أعددت العشاء.
ووضعت الطعام على الطاولة.
عاد أمجد في السادسة والنصف، قبلني على وجنتي، وشرع يقص عليّ أخبار قطعة الأرض، والزبون العنيد، وتعب والدته. وضعتُ أمامه طبق الشوربة الدافئ، وسألته إن كان يريد خبزاً إضافياً، وكنت أنظر إلى الرجل الجالس قبالتي بهدوء لم يعد يحمل من الحب شيئاً.
لقد كان هدوء الحسابات والمخططات.
في تلك الليلة لم أنم، لكني لم أبكِ أيضاً.
تخيلتُ لثانية واحدة كيف ألقي بالملف على الطاولة، وكيف أجبر أمجد على قراءة كل سطر بصوت مرتفع، وكيف يفقد وجهه تلك الرقة المصطنعة.
ضغطت أصابعي على طرف اللحاف بقوة حتى آلمتني مفاصلي.
لكن العتاب والملامة لا يجبران ضرراً، والمشاجرة غير المدروسة لا فعل شيئاً سوى إعلام العدو بأنكِ كشفتِ الفخ.
ولم أكن أنوي إعلامه بأي شيء.
كنت أنوي الاستعداد.
أول ما فعلته هو العثور على محامية خاصة بي. لم تكن من المكتب الذي يملك فيه أمجد معارف، ولا عن طريق الموثق القانوني الذي صاغ العقود. بل سافرت إلى مدينة أخرى، لقصد أخصائية في القانون الأسري والعقاري.
دفعتُ قيمة الاستشارة نقداً.
وجئت وفي جعبتي ملف منسق بعناية.
قرأتْ هي في صمت. كانت تفوح في المكتب رائحة الأوراق الجديدة والقهوة الباردة، وكان صوت المكيف يطن بنبرة رتيبة قاسية تقريباً. وكل صفحة تُقلب كان لها وقع أشد صخباً مما سبقتها.