فرامل عربيتي ٣
بصيت له ببرود تام، قعدت على الكرسي البعيد عن السرير، وربعت إيدي وقولت له:
“امبارح يا شريف، المحامي بتاعي جاب لي التقرير الطبي النهائي بتاعك من إدارة المستشفى.. وعرفت إن الحادثة سببت لك قطع في الحبل الشوكي.. يعني عجز كامل وشلل نصفي مش هتقوم منه تاني طول عمرك.”
شريف غمض عينيه وبدأ يشهق بالعياط وهو بيهز راسه: “عارف.. الدكتور قالي.. ده ذنبك يا منة.. ذنبك أنتِ وأبويا وأمي.”
“لأ يا حبيبي مش ذنبي”، رديت بقسوة تليق باللي كان ناوي يعمله فيا، “ده عدل ربنا.. ربنا حب يخليك عايش ومشلول وعاجز، عشان تقعد في السجن تخدم نفسك بصعوبة، وتفتكر في كل ثانية وكل دقيقة إنك كنت عايز تموتني.. ربنا مأخدش روحك، ربنا سابك عشان تذوق العذاب قطرة قطرة.”
شريف صرخ بضعف: “سامحيني يا منة.. سامحيني عشان ربنا يشفيني.. اطلبي لي بابا وماما ييجوا يشوفوني، أمي مش هتهون عليها كسرتي دي!”
وقفت، وعدلت لبسي وشيلت شنطتي بكل ثقة وقولت له قبل ما أمشي:
“طنط هدى طلبت من بابا مصطفى إنه يرفع قضية تبرؤ منك ومن اسمك.. وأبوك قالها بالحرف: (أنا معنديش ابن نذل وخاين).. يعني متستناش حد يخبط على بابك يا شريف.. أنت هتعيش لوحدك، وتموت لوحدك، في زنزانة ضلمة.”
لفيت ضهري ومشيت، وصوت صريحه وتوسلاته وندمه كان مالي الطرقة ورايا، بس قلبي مكنش فيه أي حتة حنينة باقية ليه.
خرجت من المستشفى، الشمس كانت طالعة والجو بدأ يتحسن. أخدت نفس عميق لأول مرة من تلات أيام وحسيت إني اتولدت من جديد.
ركبت تاكسي ورحت على شقتي.. شقتي اللي كان عايز يطردني منها للقبل. فتحت الباب، وبدأت ألم كل حاجته وهدومه واحطها في أكياس سودا كبيرة عشان أرميها في الزبالة.
وأنا بلم حاجته من على مكتبه، لمحت ورقة مطبقة جوة درج مقفول.. سحبتها وفتحتها..
وقفت في مكاني مذهولة، وعينيا اتسعت من الصدمة وأنا بقرا اللي مكتوب فيها.. الشكوك والمؤامرة مكنتش واصلة لحد رنا وبس، الموضوع كان أكبر وأخطر بكتير، وفي اسم تاني مكتوب في الورقة دي صدمته زلزلت كياني!