صرخ والدي

وخرجت.

الحرّ اصطدم بوجهي فورًا. صراخ الحشرات يملأ الظلام خارج القاعة. خطواتي على الحصى كانت ثابتة. بعض الضباط المتقاعدين عند الباب نظروا إليّ بسرعة، ثم أداروا وجوههم وكأنهم رأوا شيئًا أثقل من أن يُحتمل.

سيارتي كانت تحت ضوء مصباح يرمش. في الصندوق الخلفي كان زيّي الرسمي من الصباح: مُرتب، مكوي، الأوسمة في مكانها، ملف التكريم ما زال بداخله.

القوات المسلحة المصرية.

اللواء مريم عبد القادر.

منسق الموسيقى أعاد تشغيل الأغاني داخل القاعة. الضحك عاد. اسمي ابتلعه المكان… وأعاد له اسم والدي.

“لقيطة.”

ليست جديدة… فقط أعلى هذه المرة.

أسندت يدي على شنطة السيارة، وتركت الغضب يبرد داخلي. كانت أمي تقول دائمًا إن الغضب لا قيمة له إلا إذا عرفت أين تضعه. كانت تعمل ليلًا ونهارًا، تدفع الإيجار بصعوبة لكنها لا تطلب من أحد شيئًا، وتحتفظ بكل شهاداتي في ملف أزرق.

كان يدخل حياتنا مثل عاصفة: وعود أولًا، ثم أذى، ثم غياب.

وعندما كنت في الثالثة عشرة قال لها:

“البنت دي عمرها ما هتبقى حاجة.”

ظنها إهانة… لكنني أخذتها كخريطة طريق.

عند 07:26 فتحت صندوق السيارة.

صوت سحاب الحقيبة كان أعلى مما يجب في السكون. بدّلت ملابسي خلف السيارة، بين الظل والحائط، بحركة دقيقة وهادئة. زرّ بعد زرّ. لم أرتعش. هذا كان المهم.

الغضب يصنع ضوضاء… والانضباط يصنع حقيقة.

عندما عدت نحو القاعة، تحرك بعض المتقاعدين جانبًا دون أن أطلب. أحدهم وقف تلقائيًا، وكأن الجسد يتذكر ما نسيه العقل.

داخل القاعة، ما زالوا يضحكون على شيء قاله والدي. نادية تمسك بذراعه. سلمى تقف قرب طاولة الهدايا، تمسك برنامج الزفاف وتبدو كمن يحاول التظاهر بالملل.

ثم رأتني.

تغير وجهها قبل أن يلتفت أحد. شحب لونها. قبضت على الورقة بقوة. عيناها انتقلتا من الأوسمة على صدري إلى كتفي، ثم إلى وجهي.

همست دون أن تشعر:

“هي دي قادتي…”

توقف الصوت.

نادية التفتت أولًا.

ثم تبعها والدي.

ولأول مرة طوال الليل… اختفت ابتسامته تمامًا.

تجمدت القاعة لثوانٍ طويلة، كأن أحدهم سحب الهواء من المكان.

نادية نظرت إلى ابنتها ثم إليّ، وكأنها تحاول فهم لماذا تحوّل الزفاف فجأة إلى شيء لا يشبه الصور التي تخيلتها. سلمى كانت لا تزال واقفة، عيناها لا تفارقان الأوسمة على صدري، وكأنها ترى شيئًا لا يصدق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *