صرخ والدي

أما والدي… فقد تغيّر وجهه.

لم يعد الرجل الذي كان يضحك قبل دقائق. اختفت الابتسامة، وانكمشت زوايا فمه كمن أدرك متأخرًا أن الباب الذي فتحه بيده… لن يستطيع إغلاقه.

“إيه اللي بتعمليه هنا؟” قالها بصوت حاول أن يبدو قويًا، لكنه خرج مترددًا.

لم أجب فورًا.

خطوة واحدة فقط تقدمت بها داخل القاعة، وكانت كافية ليعود الصمت أثقل من قبل. صوت الكعب على الأرض الخشبية كان واضحًا بشكل مزعج. بعض المدعوين بدأوا يبتعدون عن الطاولات دون وعي، كأنهم يريدون مساحة بيني وبين الفوضى التي بدأت تتشكل.

نظرت إلى سلمى مباشرة.

“انتي قلتي كلمة غلط من شوية.”

بلعت ريقها. لم ترد.

ثم نظرت إلى والدي.

“بس هي أول مرة حد في القاعة دي يقول الحقيقة بصوت عالي.”

ارتفعت همهمة خفيفة بين الحضور. أحد الرجال الكبار همس: “لواء؟”

نادية شدّت ذراع والدي: “إيه الكلام ده؟”

لكنه لم يجبها.

كان ينظر إليّ وكأنه يحاول أن يجد في وجهي أي شيء يشبه الطفلة التي كان يتجاهلها طوال عمره… لكنه لم يجد شيئًا يستطيع الإمساك به.

اقتربت خطوة أخرى.

“حضرتك قولت عليّ لقيطة قدام الناس.”

توقفت لحظة.

“تحب نكمل الليلة دي بنفس الأسلوب؟ ولا نرجع للواقع شوية؟”

الصمت صار أقسى.

سلمى فجأة قالت بصوت منخفض:

“إنتِ… إنتِ فعلًا في الجيش؟”

لم أرفع صوتي.

“مش بس في الجيش.”

سكتّ لحظة قصيرة، ثم أكملت:

“أنا اللي كنت واقفة في الصباح في مراسم تكريم القيادة العامة. واللي وقّعت أوامر عمليات في ثلاث مناطق. واللي ناس كتير هنا لو شافوني برّه القاعة دي كانوا وقفوا احترامًا من غير ما يسألوا اسمي.”

الهمس زاد.

أحد الضيوف وقف فعلًا.

رجل مسنّ في آخر القاعة تحرك ببطء، ثم وقف باستقامة عسكرية تلقائية. بعدها ثانٍ واحد، ثم آخر.

نادية تراجعت خطوة للخلف، وكأن الأرض فقدت ثباتها تحت قدميها.

أما والدي، فكان ثابتًا… لكن عينيه لم تعد ثابتة.

“انتي جاية تفضحيني؟” قالها أخيرًا.

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.

“أنا؟”

“إنت اللي عملت كده بنفسك.”

ثم أخرجت من جيب سترتي ملفًا صغيرًا لم أكن أحتاجه… لكنني احتفظت به دائمًا. فتحت أول ورقة ورفعتها قليلًا.

“ده سجلّ ترقياتي.”

ثم ورقة ثانية.

“وده خطاب تكريم من القيادة.”

ثم نظرت له مباشرة.

“وكل ورقة هنا بتقول إن أنا موجودة… سواء اعترفت أو لأ.”

سلمى اقتربت خطوة صغيرة، وكأنها تُسحب رغمها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *