صرخ والدي

الهمسات توقفت فورًا.

نادية رفعت يدها على فمها، وسقط منها خاتم صغير كانت تمسكه دون أن تشعر.

سلمى بقيت واقفة في مكانها، عيناها تتحركان بيني وبين المشهد، وكأنها ترى معنى السلطة لأول مرة بدون روايات مزيفة.

والدي تراجع خطوة للخلف.

“إنتي… إنتي جبتي الجيش هنا؟” صوته كان أقل من قبل، لكنه محمّل بالارتباك.

نظرت له بهدوء.

“أنا ما جبتش حد.”

ثم أضفت:

“الجيش ما بيجيش عشان حد. بيجي لما يكون في إجراء طبيعي.”

اقترب أحد الضباط بخطوات ثابتة، ثم أدى التحية العسكرية دون أن ينظر لأي أحد غيري.

“سيدتي اللواء، تم تنفيذ الترتيب كما طُلب.”

أومأت برأسي فقط.

لم يكن المشهد استعراضًا، ولا تهديدًا. كان ببساطة تصحيحًا لوضع اختلّ منذ سنوات.

سلمى همست بصوت مرتجف:

“إنتِ فعلًا… كبيرة أوي كده؟”

نظرت لها.

“الكِبر مش في الرتبة.”

سكتّ لحظة.

“الكِبر إنك تفضلي واقفة حتى لما أقرب الناس ليكي يحاولوا يكسروك.”

والدي تحرك نحوي خطوة، ثم توقف فجأة وكأنه اصطدم بحاجز غير مرئي.

“أنا… أنا ماكنتش أقصد…”

ضحكت بهدوء، ضحكة قصيرة بلا حرارة.

“كل مرة بتقول نفس الجملة.”

اقتربت منه قليلًا، ليس غضبًا… بل نهاية.

“المشكلة مش في الكلمة اللي قلتها النهارده.”

“المشكلة في السنين اللي اتقال فيهم نفس المعنى بأشكال مختلفة.”

صمت.

ثم أضفت:

“وأنا ما بقيتش محتاجة اعتذار.”

سلمى تقدمت خطوة صغيرة، وكأنها تقاوم خوفها:

“طب أنا؟ أنا عملت إيه؟”

نظرت لها طويلًا.

“إنتي لسه قدامك فرصة تفهمي إن الناس مش زي ما بيتقال لهم.”

“وإن الصوت العالي مش دايمًا هو الحقيقة.”

سكتت لحظة، ثم أكملت:

“اختاري أنتِ هتشوفي الدنيا بإيه.”

لم تبكِ، لكنها كانت على حافة شيء جديد… وعي مختلف تمامًا.

نادية اقتربت من زوجها، ثم قالت بصوت منخفض:

“إحنا لازم نوقف ده…”

لكن لا أحد كان يوقف أي شيء الآن.

المشهد كان انتهى فعليًا.

تحركتُ خطوة للخارج، والضباط فتحوا الطريق بصمت.

قبل أن أغادر، توقفت لثانية واحدة فقط.

نظرت إلى القاعة للمرة الأخيرة: الزينة المعلقة، الطاولات، الوجوه المصدومة، والرجل الذي حاول أن يمسح اسمي من حياته… فمسح نفسه من لحظته.

ثم قلت بهدوء:

“الليلة دي مش انتصار لحد.”

“دي بس نهاية كذبة كانت لازم تنتهي.”

ثم خرجت.

الباب أُغلق خلفي ببطء.

وفي الخارج، الليل كان ثابتًا، واضحًا، لا يطلب تفسيرًا من أحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *