صرخ والدي
“دي مش أي رتبة… دي قيادة عليا فعلًا…”
بدأت الهمسات تتحول إلى حقيقة داخل القاعة.
نادية نظرت إلى زوجها الجديد وكأنها تراه لأول مرة، لا كرجل واثق… بل كرجل ارتكب خطأ لا يعرف حجمه.
سلمى فجأة اقتربت من طاولة الميكروفون.
“ممكن…” قالتها بتردد، ثم أكملت:
“ممكن أتكلم؟”
لم يمنعها أحد.
حتى والدي نفسه لم يتحرك.
أخذت الميكروفون بيد مرتجفة، ونظرت إليّ أولًا، ثم إلى الحضور.
“أنا… أنا ما كنتش أعرف أي حاجة.”
ثم التفتت إليه.
“إنت قلتلي إنها مش موجودة… وإنها… مش مهمة.”
صمتها كان أثقل من صراخ أي أحد.
نظرت لها بهدوء.
“مش مطلوب منك تختاري طرف.”
ثم أضفت:
“بس مطلوب منك تعرفي الحقيقة.”
والدي ضرب بيده على الطاولة فجأة:
“كفاية! أنا أبوكي!”
التفتت له سلمى بسرعة.
“وأنا طول عمري ما شفتش أب بيكسر حد قدام الناس بالشكل ده.”
سقطت الجملة في القاعة مثل حجر في ماء ساكن.
لم يجد ردًا.
في تلك اللحظة، صوت سيارات خارج القاعة بدأ يُسمع بوضوح. ليس ضوضاء عادية… بل محركات ثقيلة تتوقف في الخارج.
تبادل بعض الضيوف النظرات.
أحد الرجال عند الباب فتحه قليلًا، ثم عاد بسرعة، وجهه متغير.
“في عربيات عسكرية برّه…”
لم أتحرك.
لكن والدي تحرك لأول مرة نحوي بسرعة غير محسوبة:
“إنتي عملتي إيه؟”
نظرت له بهدوء تام.
“ولا حاجة جديدة.”
توقفت لحظة.
“أنا بس بلغت عن نفسي إني وصلت.”
سلمى همست:
“يعني إيه؟”
نظرت لها.
“يعني حياتي مش بتقف عند باب قاعة.”
في الخارج، خطوات منظمة بدأت تُسمع، واضحة، ثابتة، لا تشبه الفوضى داخل القاعة.
نادية تراجعت إلى الخلف، كأنها بدأت تفهم أن ما حدث ليس شجارًا عائليًا… بل اصطدام عالمين.
والدي وقف مكانه، لأول مرة بلا جملة جاهزة.
اقتربت منه خطوة أخيرة، وصوتي كان منخفضًا لكن حاسمًا:
“أنا مش جاية آخد حاجة منك.”
“أنا جاية أسيب لك حقيقة واحدة بس.”
توقفت.
ثم قلت:
“أنا كنت بنتك… حتى قررت إنك تشوفني عار.”
ساد صمت كامل.
ثم أضفت بهدوء شديد:
“والليلة دي… انتهت عندك.”
وفي اللحظة التالية، انفتح باب القاعة بالكامل.
انفتح باب القاعة على اتساعه، ودخلت الإضاءة الخارجية الباردة كأنها قطعت الخط الفاصل بين عالمين.
وقف عند المدخل عدد من الضباط بزي رسمي، خطواتهم منظمة، نظراتهم ثابتة، ولم يتحدثوا بكلمة واحدة في البداية. مجرد وجودهم كان كافيًا ليغيّر وزن المكان كله.