صرخ والدي

“ليه هو قال كده؟” همست.

لم أجبها فورًا.

لكن والدي سبقني، بصوت أخفض هذه المرة:

“إنتي عايزة مني إيه؟”

سكتّ لحظة طويلة.

ثم قلت بهدوء أخطر من الصراخ:

“ولا حاجة.”

اقتربت أكثر حتى أصبح بيني وبينه مسافة طاولة واحدة فقط.

“أنا كنت جاية بس أحضر زفافك.”

نظرت حولي إلى القاعة.

الزينة الورقية، الكعكة، الوجوه المتوترة، الكاميرات التي لم تعد تعرف هل تصور فرحًا أم انهيارًا.

“بس واضح إنك كنت محتاج تعرف مين اتجوزته الأول… قبل ما تعرف مين بنتك.”

في تلك اللحظة، سلمى همست مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت تسمع نفسها بصعوبة:

“أنا آسفة…”

لم أنظر لها مباشرة.

لكن والدي التفت إليها بسرعة، وكأنه يبحث عن مخرج أخير من الموقف.

“سلمى، ادخلي جوه…”

لكنها لم تتحرك.

كانت تنظر إليّ فقط.

وكأن كل ما سمعته عنه طوال حياتها… بدأ يتفكك أمامها في دقيقة واحدة.

ثم فجأة، صوت الميكروفون أصدر صريرًا خفيفًا من المنصة… كأن أحدهم لم يفصل الجهاز بعد.

والدي نظر إليه.

ثم إليّ.

ثم قال بصوت منخفض جدًا، لم يسمعه الجميع، لكنه وصل إليّ بوضوح:

“إنتي مش هتكسبي هنا.”

رفعت عيني له.

“أنا ما دخلتش مسابقات مع حد.”

ثم أضفت بهدوء:

“أنا بس كنت بمرّ أسلّم على أبويا.”

صمت.

وفي تلك اللحظة… فهم الجميع أن الحفل لم يعد حفل زفاف.

بل بداية شيء انتهى من زمان… وتأخر فقط لحظة الانفجار.

ساد صمت جديد، لكن هذه المرة لم يكن صمت دهشة فقط… بل صمت انهيار بطيء.

القاعة كلها بدت وكأنها تنتظر من أحد أن يعيد ترتيب الزمن، لكن لا أحد امتلك تلك القدرة.

نادية كانت أول من تحركت، صوتها خرج متوترًا:

“إحنا لازم نوقف اللي بيحصل ده…”

لكن لا أحد استجاب.

سلمى كانت واقفة في مكانها، عيناها لا تفارقان وجهي، وكأنها تحاول أن تحفظ كل تفصيلة في لحظة لن تتكرر.

أما والدي، فكان يحاول استعادة السيطرة بأي شكل، فرفع يده وقال بصوت أعلى:

“كفاية بقى! دي ليلة فرحي!”

لكن كلماته لم تعد تحمل نفس الوزن.

اقتربت منه خطوة أخيرة، لا تهديد فيها… فقط يقين.

“فاكر لما قولت لأمي إني عمري ما هبقى حاجة؟”

توقف.

لم يجب.

“أنا كنت ساعتها طفلة… بس أنت كنت شايف المستقبل أوضح مني.”

ثم التفتُّ ببطء إلى الحضور.

“أنا ما جيتش أعمل مشكلة.”

“أنا جيت لأن في شخص قرر في لحظة إنه يمسح تاريخي قدام ناس ما تعرفنيش.”

أحد الضيوف في الخلف قال بصوت منخفض:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *