صرخ والدي

صرخ والدي فيّ بكلمة “لقيطة” في حفل زفافه… ثم رفعت ابنته الجديدة نظرها إلى زِيي العسكري، شحب وجهها، وهمست:

“هي دي قادتي.”

صرير الميكروفون اخترق القاعة قبل أن يملأ صوت والدي المكان. كانت رائحة القاعة مختلطة بين صوص الشواء، وقهوة باردة، ودخان قديم عالق في السقف. الأكواب البلاستيكية تتعرّق فوق الطاولات القابلة للطي، والزينة الذهبية الرخيصة ترتجف مع هواء المكيّف. كان كوب القهوة الورقي يضغط على راحتي عندما رفع كأسه بابتسامة واسعة.

قال أمام الجميع:

“أول حاجة حابب أقولها… إني أخيرًا بقي عندي عيلة حقيقية.”

ضحك الناس… لأنهم ظنوا أن هذا ما يجب فعله.

اسمي اللواء مريم عبد القادر، من القوات المسلحة المصرية.

في الساعة 08:10 صباحًا كنت أقف على منصة رسمية في “مركز تذكير المحاربين القدامى” أثناء مراسم تكريم، أوقّع ملفات رسمية، وأرى الجنود ينتصبون فور دخولي القاعة.

لكن في الساعة 07:18 مساءً، داخل قاعة زفاف مستأجرة ومليئة بالزينة الورقية، نظر إليّ والدي وقال أمام الجميع:

“دي مش بنتي… دي لقيطة.”

الكلمة لم تكن مفاجأة بقدر ما كانت كدمة قديمة أُعيد الضغط عليها.

قالها أمام الجميع. لا همس، لا تردد، لا خجل. ميكروفون في يده، وباليد الأخرى يمسك يد زوجته الجديدة نادية الهلالي، بينما خفّض منسق الموسيقى الصوت وكأن القاعة كلها تريد أن تسمع.

ثم جذب ابنتها سلمى نحوه وقال:

“دي بنتي الحقيقية… دي اللي شايلة اسمي صح.”

تجمّدت القاعة. الشوكات توقفت في منتصف الطريق إلى الأطباق الورقية. كأس شمبانيا توقف في يد العمة. صمت ثقيل غطّى المكان، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.

سلمى وقفت مستقيمة، تحاول فهم ما يحدث. نادية ابتسمت وكأنها حصلت على صفقة رابحة. بعض الأقارب أنزلوا أعينهم إلى الطاولات. أحدهم سعل في منديله. الصمت أحيانًا يكون اختيارًا… تلك الليلة كان يرتدي بدلة رسمية ويتظاهر بالأدب.

قبضت على كوب القهوة حتى انثنى الكرتون في يدي.

هناك إهانات تُجرح… وأخرى تُمحى بها وجودك.

والدي تدرب سنوات على النوعين.

لم أرد. لم أرفع صوتي. لم أمنح الميكروفون جملة واحدة يستحقها. لثانية ساخنة تخيلت أنني أمشي نحو المنصة، أستعيد الميكروفون، وأجعل كل من في القاعة يفهم معنى الرتبة عندما تتوقف عن المجاملة… ثم وضعت الكوب.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *