ثمن الاصول بقلم منال علي ٢
مدحت رفع عينه وبص لها: “ياسمين.. إنتي مش هتوصلّيها لكده بجد، مش هتعملي فيا كده.”
الجملة ما كانتش سؤال.. كانت أمر، بس متنكر في شكل ذهول وصدمة.
ياسمين مدت إيدها في الشنطة، طلعت المفاتيح القديمة، وحطتها على السفرة جمب الدوسيه. رنة المعدن على الخشب طلعت صوت صغير، حاد، وقاطع: “أنا عملت خلاص.. الموضوع خلص.”
طنط صفية ساندت إيدها على حلق الباب، ولأول مرة ما كانش باين عليها الغيظ، كان باين عليها إن طولها اتهد: “مدحت.. اتكلم يا ابني، قولها ما ينفعش تطردنا في الشارع.”
بس مدحت ما كانش بيرد عليها أصلاً. كان باصص لياسمين وكأنه أول مرة يستوعب إن الست اللي هو حدفها برا باب الشقة امبارح، مش هي هي الست اللي واقفة قدامه دلوقتي وراجعة تاخد حقها.
أمين الشرطة كرّر كلامه لمدحت تاني وبحزم: “يا أستاذ، وسع من طريقنا خلينا نشوف شغلنا.”
المرة دي مدحت اتحرك.. خطوتين لورا.. خطوتين كانوا كفاية.
النجار وطى وبدأ يفك في الكالون القديم.
ياسمين فضلت واقفة على العتبة وباصة لجوه.. شافت إيشاربها المرمي في الأرض وملموم بإهمال جمب الجزامة. شافت كرتونة من كراتين طنط صفية محطوطة فوق كومة من كتبها ورواياتها. وشافت الدوسيه الكحلي اللي فيه طلب الـ 3 مليون جنيه لسه مرمي على السفرة جمب فنجان القهوة بتاع امبارح.
“المنظرة الكدابة” و”البيوت المحترمة” اللي كانوا بيتكلموا عليها، كل ده انهار هنا، بين وصلات الديون والكدب.. وما فيش كلمة حلوة ولا طيبة خاطر هتقدر تلم اللي اتكسر.
مدحت نبرة صوته اتغيرت ومالت للهداوة: “ياسمين.. طب خلينا نقعد ونتكلم ونحلها ودي.”
الكلمة دي بالذات، في الوقت ده بالذات، كانت إهانة تانية فوق إهاناته.
نتكلم؟ بعد ما قررت كل حاجة لوحدك؟ نتكلم بعد ما قفلت الباب في وشي وطردتني؟ نتكلم بعد ما فرضت عليا أهلك، وشنطهم، وديونهم، واستغلالكم، وقلة القيمة؟
ياسمين خدت نفس طويل وقالتله: “كنت اتكلمت معايا امبارح.. قبل العربية الربع نقل، قبل الدوسيه الكحلي، وقبل ما تمد إيدك على هدومي وترميها على السلم.”
مدحت بص للمحامي، وبعدين لأمناء الشرطة، وبعدين لأمه.
صفية عينيها دمعت، بس ما كانش دمع ندم.. كان دمع غل وحقد: “هي دي الأصول؟ هي دي الطريقة اللي بتعاملي بيها عيلتك؟”
ياسمين ما رجعتش خطوة لورا: “لأ.. دي الطريقة اللي بعامل بيها اللي بيدخل بيتي ويفكر إن أدبي واحترامي ضعف.”