ثمن الاصول بقلم منال علي ٢
“مش أنا اللي خربته يا مدحت،” ياسمين ردت بنبرة هادية: “أنا بس بطلت أمثل إنه لسه سليم.”
ما حدش نطق. الشمس بدأت تدخل قوية من شباك المطبخ، منورة السفرة، والورق، وكنكة القهوة الباردة، والشنط المفتوحة، وجزم الحاج شاكر المتلمعة المرصوصة جمب الحيطة بانتظام مبالغ فيه. كل حاجة كانت باينة طبيعية.. وده بالذات اللي كان بيخوف.
أوقات، أبشع الحاجات بتحصل في بيوت نضيفة، بين كراسي مترتبة، وفناجين مغسولة، وناس بتتكلم باسم الأصول والدين والعيلة.. وهما كل هدفهم ياخدوا حاجة مش بتاعتهم.
ياسمين سلمت كام ورقة للمحامي، وبصت لمدحت لآخر مرة. ما لقتش فيه الراجل اللي يستاهل تتحارب عشانه، لقت جوز يمكن ما كانش موجود بجد في يوم من الأيام.
مدحت نزل عينيه الأرض.. ودي كانت أول علامة على انكساره وهزيمته، بس ما كانتش علامة ندم.. وياسمين، أخيراً، فهمت الفرق بين الاتنين.
باقي اليوم والصبحية هيعدي في إمضاءات، وحصر للعفش، وكراتين بتطلع تاني برا الشقة، ومكالمات، وكلام كتير تقيل. صفية هتعيط قدام الناس والجيران عشان تكسب عطفهم، والحاج شاكر هيحلف ورايح جاي يقول “أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع كده”، ومدحت هيجرب شوية غضب، وشوية لوم، وشوية كلام حنين ملهوش معنى.
بس باب الشقة دي مابقاش تبع حكايتهم خلاص.. الباب ده بقى يخص ياسمين لوحدها.
ولما المفاتيح الجديدة نزلت في إيدها، تقيلة وساقعة، حست بحاجة ما حستهاش من امبارح..
مش فرحة.. ولا شماتة وانتقام..
حست بـ “مساحة”.
مساحة تتنفس فيها من غير ما تطلب إذن من حد.
مساحة تقرر فيها مين يدخل ومين يفضل برا.
مساحة تفتكر فيها إن البيت مش مجرد حيطان، وعفش، وعقود.. البيت هو المكان اللي ما حدش يملك فيه إنه يطردك عشان يعلمك “الأدب والطاعة”!