تحويشة عمري مش هفرط فيها

منى عرفت الحكاية كلها بالصدفة — لما راحت بيت حماتها عشان تاخد منها ورق وشهادات ميلاد، وفوجئت بـ “مجلس الأُنس” والشلة كلها قاعدين بيشربوا شاي وفاتحين الموبايل على صور الشاليه.

«منى حبيبتي!» — الحجة ميرفت وقفت ترحب بيها بابتسامة عريضة، بس منى حسيت بنغزة في قلبها من الابتسامة دي. «كويس إنك جيتي يا بنتي، ده إحنا كنا لسه بنتكلم في موضوع…».

منى خدت الورق، ابتسمت بذوق، ومشيت.

وطول الطريق للبيت، وأفكارها بتودي وتجيب.

منى شغالة محاسبة في شركة شحن على قدها. شغلانة هادية وملهاش حس — من نوعية الشغل اللي العيلة مش بتقعد تتباهى بيه على طبلية الأكل، مش “برستيج وعيادة ومكتب محاماة”.

بس شغلانة ثابتة ومضمونة.

بقالها عشر سنين بتشيل القرش على القرش. مش عشان تشتري حاجة معينة — هي بتشيلهم للزمن، عشان أمها الله يرحمها كانت دايماً تقولها: «يا بنتي لازم يكون ليكي قرشين على جنب. بتوعك أنتِ وبس. محدش يعرف عنهم حاجة للزمن».

مكانتش بتصرف في الهيافة، ولا بتشتري قسط، ولا بتجيب لبس براندات لمجرد المنظرة وشعار “بنعيش مرة واحدة”. كل شهر، جزء من المرتب بيروح للشهادات والودائع في البنك. سنة ورا سنة.

أحمد كان عارف إنها محوشة قرشين، بس كام بالظبط؟ ميعرفش. دي كانت خصوصيتها وهو كان بيحترم ده.

يعني… كان بيحترم ده!

لما جه وفتح بقّه وحكالها كل حاجة — عن مكالمة أمه، والـ 4 مليون، وإن أمه “نفسها ترتاح وتغير جو لوحدها في مكان” — منى سمعت الكلام كله لآخر كلمة ومقطعتوش. بعدين وقفت ومشيت في الصالة، وأحمد عينه عليها ومستني ردها.

«يعني هي عايزة الشاليه ده»، منى قالتها أخيراً، «عشانها وعشان شلة أصحابها؟».

«يعني… أه. هي بتقول إنه استثمار لينا بعدين، وهيتحسب باسمنا…».

«أحمد». منى وقفت وبصتله في عينه. «الفلوس دي مش هتطلع من البنك.»

«يا منى…».

«اسمعني للآخر ومتقاطعنيش.» صوتها كان هادي جداً، من غير زعيق ولا عصبية، وبسبب الهدوء ده كلامها كان ليه هيبة وأقوى من أي خناقة. «تحويشة عمري دي أنا شقيت فيها سنين. ومش مجبرة أقسمها مع أي حد كائناً من كان. لا هي ولا غيرها.»

أحمد فتح بوقه عشان يتكلم…

وبعدين سكت ومطقش.

ورا الحيطة، قطة الجيران رجعت تنونو وتصوت تاني.

الحجة ميرفت عرفت باللي حصل في نفس الليلة — أحمد كلمها لأنه مبيعرفش يخبي حاجة في بطنه وجواه حيرة. حاول يتكلم بدبلوماسية ويجيبها يمين وشمال: «منى لسه بتفكر يا أمي…»، «الموضوع محتاج وقت…».

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *