تحويشة عمري مش هفرط فيها
بس قلبها كان بيقولها — إن حكاية الشاليه دي لسه دي البداية بس.
وإن الحجة ميرفت مش من نوع الستات اللي بترجع قفاها قمر عيش من أول “لأ”.
وفعلاً، تاني يوم التليفون رن، وكانت الحجة ميرفت.
مش بتكلم ابنها.
دي بتكلم منى شخصياً.
وده في حد ذاته كان مفاجأة ومن العجائب. في خمس سنين جواز، الحما مكلمتش مرات ابنها غير يجي عشر مرات — وكلها مكالمات ناشفة: “تأكيد معاد”، “وصلي الكلام ده لأحمد”، “كل سنة وأنتِ طيبة” في عيد ميلادها — كلام رسمي ومظبوط بالمسطرة، على قد المصلحة.
منى شافت الاسم على الشاشة، اتنهدت ثانية، وبعدين ردت.
«أهلاً يا طنط، إزيك؟»
الصوت جايلها ناعم وبيرش سكر. دافي ومحبب.
وهنا منى قلقت والقرون الاستشعار عندها اشتغلت.
«الحمد لله يا حبيبتي. بقولك إيه، أنتِ فاضية شوية؟»
«أه يا طنط، مع حضرتك، سامعاكي.»
«أنا قولت في نفسي… ما تيجي نتقابل؟ نقعد ندردش مع بعض على مية بيضا كدة، من غير رجالة ودوشتهم.» الحجة ميرفت ضحكت ضحكة خفيفة كأنهم أصحاب في الجامعة. «أنا أصلي قريبة من بيتك النهاردة، قولت أعدي عليكي.»
منى بصت في الساعة. هي يادوبك نازلة تخلص ورقها الحكومي.
«والله يا طنط النهاردة مش هينفع خالص، ورايا مشاوير وورق بخلصه ومستعجلة.»
حطت خط موازي للسكوت.
«ماشى يا حبيبتي،» الحما قالتها بنفس النبرة الناعمة اللي تخوف. «فرصة تانية إن شاء الله.»
وقلبت السكة هي الأولى.
الـ “فرصة التانية” دي جت بعد يومين اتنين بالظبط — ومن غير أي إحم ولا دستور ولا تليفون.
منى فتحت الباب، لقت في وشها الحجة ميرفت. واقفة وفي إيدها علبة لابيست ومجهزة الابتسامة العريضة بتاعة القرايب اللي جايين يوجبوا ويدخلوا.
«مفاجأة مش كدة؟ قولت أوجب مع بنتي حبيبتي وأصلح الغلطة» الحجة ميرفت قالتها وهي بتتحرك لجوه البيت بثقة.
منى ابتسمت بهدوء، ودخلتها الصالة. مفيش دقيقتين وكانت كوبايتين الشاي على الترابيزة. الحجة ميرفت ملوتش الكلام، فتحت الموضوع علطول وبنبرة كلها حنية مصطنعة: «بصي يا منى يا بنتي، إحنا أهل، وأحمد حكالي إنك زعلتي.. الشاليه ده باسمك وباسم أحمد، وأنا بس هصيف فيه مع أصحابي.. دي تحويشة العمر وهتكبر مش هتضيع».
منى خدت نفس هادي، وبصت لحماتها مباشرة في عينها، وقالت بنبرة حاسمة مفيهاش مجال للمناهدة:
«طنط، أنا مقدرة إن حضرتك نفسك في الشاليه، بس الفلوس دي مش هتطلع من البنك.. دي فلوس شقايا وأنا شايلاها للزمن، ومش هحطها في عقار ولا شاليه. أحمد جوزي وعلى راسي، وأي حاجة تخص بيتنا إحنا سادين فيها، لكن تحويشتي خط أحمر.. الموضوع ده مقفول بالنسبالي ومفتحتوش مع أحمد تاني عشان ميزعلش حضرتك.»
الابتسامة اختفت فجأة من وش الحجة ميرفت، وحست إن “النشوفية” اللي في منى أقوى بكتير من مكرها. لمت حاجتها وعلبة الحلوى وقامت وهي بتقول بضيق مكتوم: «براحتك يا بنتي، بس افتكري إني كنت عايزة مصلحتكم».
منى وصلتها للباب بكل ذوق وقفلته وراها. حست براحة مفيش بعدها راحة.. تحويشة عمرها في أمان، وحدودها الكل عرفها واحترمها، والأهم إنها قفلت الباب ده لآخر العمر من غير ما تخسر هدوءها.