ابني طردني
بنتي الصغيرة كانت مغمضة عينيها وراسها متسندة على أمها.
منى ما قالتش كلمة.
بس بصتلي بنظرة كلها شفقة مصطنعة، نظرة حد مستني ست كبيرة في السن تتقبل إنها تتشال من مكانها زي قطعة أثاث قديمة.
في طرق كتير لطرد الأم من بيتها من غير ما حد يلمسها.
الأول ياخدوا سريرها.
بعدها يغيروا طريقتهم معاها.
وفي الآخر يسموا الإهانة “ظروف عائلية”.
كنت عايزة أفكر أحمد بكل حاجة.
بالمصوغات اللي بعتها عشان أدفع مصاريف جامعته.
بالليالي اللي فضلت فيها صاحية جنب سريره لما كان بين الحياة والموت بسبب الالتهاب الرئوي.
باليوم اللي دفنت فيه أبوه، وبرغم كسرتي عملتله فطار لأنه كان مرعوب ومش قادر يقف على رجليه.
لكن الكلام وقف في زوري.
قلت بصعوبة:
“البيت ده بيتي.”
ضحك ضحكة باردة وقال:
“وبيتنا إحنا كمان. إحنا عايشين هنا وبندفع كهربا وغاز ونت. لينا حقوق برضو.”
وفجأة رفع صوته.
الصوت خرج للجنينة وخلى كل اللي موجودين يلفوا وشهم علينا.
وقال قدام الكل:
“اطلعي بره يا أمي… منى مش عايزاكي هنا.”
في اللحظة دي المكان كله سكت.
واحدة وقفت بالكوباية قبل ما تشرب.
واحد من قرايب منى بص في طبقه كأنه لقى فيه أهم حاجة في الدنيا.
حد كان رافع معلقة في الهوا وفضل ثابت مكانه.
حتى الأغاني اللي كانت شغالة بقت غريبة وسط الصمت ده.
محدش اتحرك.
بصيت لأحمد.
ولثواني ما شفتش الراجل اللي واقف قدامي.
شفت الطفل اللي كان بيجري حافي في المطبخ.
شفت محمود وهو شايله على كتافه.
وشفت حفيدتي ملك وهي بتاخد أول خطواتها في الصالة.
بعدها بصيت على شنطتي.
شلتها ونزلت السلم بهدوء.
كل درجة كنت بنزلها كانت كأنها ذكرى جديدة بتتسحب مني.
عند الباب ظهرت طنط فاطمة وهي لابسة الروب بتاعي فوق هدومها، وبتعدل الياقة كأنها ورثت البيت كله.
وقالت:
“يا سعاد، مالوش لازمة تعملي مشهد.”
وقفت وبصيت لها بهدوء.
وقلت:
“أنا مش بعمل مشهد يا طنط فاطمة.”
وخرجت.
الجو بره كان دافي، وريحة الأكل طالعة من الحفلة.
وأول ما بعدت شوية، بدأت الضحكات ترجع من جديد، كأن وجعي كان مجرد استراحة مؤقتة في سهرتهم.