اخرجت ابنتها من الحريق

اعتدل ضابط شرطة كان يقف بالقرب من سيارة الإسعاف في وقفته بعد سماع ذلك. ولاحظ طارق الأمر؛ ولأول مرة في تلك الليلة، لامس الخوف الحقيقي وجهه.

التفت إليّ بسرعة وقال بنبرة ناعمة فجائية: «خديجة، استمعي إلي. الأمر ليس كما يبدو».

لكن تلك كانت المشكلة؛ لسنوات طويلة كنتُ أستمع إليه.

كنت أستمع إليه عندما يقول إن تأخره في الليل كان بسبب العمل. كنت أستمع إليه عندما يقول إن رائحة العطر النسائي على قميصه تعود للعميلات. كنت أستمع إليه عندما يتهموني بأنني عاطفية أكثر من اللازم، أو شكاكة، أو كثيرة النسيان، أو “حامل لدرجة لا تسمح لي بفهم إدارة الأعمال”.

كنت أستمع حتى أصبح صوتي غريباً عني. ولكن ليس بعد الآن.

ضممتُ ليان بقوة أكبر وقلتُ: «إذاً، اشرح لي الأمر».

ابتلع طارق ريقه: «لقد كانت مجرد أوراق رسمية.. خطة عمل. المستثمرون يقومون بأمور معقدة أحياناً».

اقترب رجل الإطفاء خطوة: «إذاً، لن تمانع في تفسير سبب قفل نافذة غرفة ابنتك من الخارج؟»

توقف قلبي عن النبض.

رفعت ليان وجهها الملطخ بالدموع من على كتفي وهمست: «أبي هو من وضع الخشبة هناك».

سمعها الجميع. وتجمد طارق في مكانه.

سألها ضابط الشرطة بلطف: «أي خشبة يا حبيبتي؟»

أشارت ليان نحو المنزل المحترق: «الخشبة المربعة. أبي قال إنها تمنع الوحوش من الدخول».

ومضت ذكرى غريبة في عقلي؛ قبل ثلاث ليالٍ، اشتكت ليان من أن نافذتها لا تفتح. ضحك طارق حينها وأخبرني أنها تتوهم القصص. وفي الليلة نفسها، رأيته في المكتب ومعه وشاح أحمر نسائي معلق على كرسيه، وقال لي يومها إنه يخص إحدى العميلات.

جاء صوت رجل الإطفاء هادئاً بشكل مخيف: «سيدي، ابتعد عن زوجتك وطفلتك».

سقط قناع طارق. لمحاذاة ثانية فقط، رأيت ما يقبع تحته: الغضب، الذعر، والمكر.

ثم ابتسم؛ تلك الابتسامة الساحرة والمصقولة التي خدع بها مجالس الإدارة والمستثمرين.. وخدعتني أنا أيضاً.

قال: «أيها السادة، أنتم واهمون. زوجتي غير مستقرة نفسياً. لقد ركضت إلى داخل منزل يحترق وهي حامل. إنها تمر باضطرابات عاطفية ونفسية منذ أشهر».

ضحكتُ. آلمني حلقي، لكنني ضحكت. لأن هذا كان سلاحه الدائم؛ مشاعري تصبح دليله ضدي، وألمي يصبح دفاعه عن نفسه، وأمومتي تصبح اتهاماً لي.

قلتُ بصوت مبحوح: «أيها الضابط، افحص الحساب السحابي المرتبط بكاميرا المراقبة في غرفة الأطفال».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *