اخرجت ابنتها من الحريق

همستُ: «ماذا يفتح هذا المفتاح؟»

ابتسم يوسف لوهلة وقال: «صندوق أمانات في البنك».

وداخل ذلك الصندوق، الذي عُثر عليه في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، كانت الحقيقة التي حمتها أمي بالإبرة والخيط: وثائق، صور، صكوك ملكية، وأشرطة تسجيل صوتية. كانت دليلاً على أن والد طارق والعديد من شركائه بنوا ثروتهم على الحرق العمد، والاحتيال، والقتل. دليلاً على أن والدي مات وهو يحاول كشفهم؛ وأن طارق لم يتعثر في طريق الشر مصادفة، بل ورثه وراثة.

وكانت الصفحة الأخيرة عبارة عن رسالة من أمي:

> “حبيبتي خديجة،

> إذا كنتِ تقرأين هذه الرسالة، فهذا يعني أن النار قد وجدتكِ أنتِ أيضاً. أنا آسفة. لقد حاولتُ الحفاظ على سلامتكِ بدفن الحقيقة، لكن الحقيقة مثل الدخان.. تجد دائماً منفذاً لتخرج منه.

> ثقي بالشخص الذي يركض نحو النيران؛ فهو سيعرف ما يجب فعله.”

>

بكيتُ حتى لم يعد في جسدي أي قوة. ولم يطلب يوسف قراءة الرسالة قط، بل وقف ببساطة عند النافذة، يمنحني الصمت، والكرامة، والوقت.

اعترف طارق بالذنب بعد ستة أشهر من المحاكمة، بعد أن دمرت شهادة ياسمين، ولقطات غرفة الأطفال، والعقد المسترد، وأدلة أمي كل كذبة بنتها عائلته. وسقط شركاؤه معه، وصودرت الممتلكات، وجُمدت الحسابات، وأُعيدت الأموال للعائلات التي احتال عليها.

احترق البيت الفاخر حتى تحول إلى عظام متفحمة، لكن بطريقة ما، ومن بين تلك الرماد، بدأت حياتي الحقيقية.

أنجبتُ طفلاً معافى في صباح يوم صافٍ من شهر أكتوبر، وأطلقت عليه ليان اسم “يحيى”، لأنها قالت: «لقد جاء بعد الطوفان والنار». واحتفظت بالاسم.

ذهبت أموال التأمين التي حاول طارق سرقتها إلى صندوق ائتماني لصالح ليان ويحيى، وبرأت المحكمة اسمي من كل شركة احتيالية. وأعادت أدلة أمي فتح قضية والدي، وأخيراً، لم يعد يُذكر اسمه كفاجعة، بل كرمز للشجاعة.

أما النقيب يوسف، فقد كان يأتي لزيارتنا كثيراً في البداية بسبب القضية، ثم لأن ليان استمرت في دعوته لتناول الفطائر، ثم لأنني توقفت عن التظاهر بأنني لا أنتظر صوت سيارته.

لم يأتِ الحب كالصاعقة؛ بل جاء كالهواء النقي بعد انقشاع الدخان. ببطء، وبلطف، وبكثير من الصبر.

بعد عامين، وقفت ليان أمام منزل أبيض صغير ذي باب أصفر، وشاهدت يوسف وهو يجثو على ركبتيه أمامي في الحديقة.  Ahmad Suliman

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *