لغز الساعة 3.17
هذا القبو كان يعود في الأصل للمرحومة **أم أمين**، وهي امرأة طيبة قضت 30 عاماً من عمرها في مساعدة الأطفال المشردين. كانت قد عثرت على **فرح** وهي في الخامسة عشرة من عمرها، تسرق رغيف خبز من أمام أحد المتاجر. لم تبلغ الشرطة حينها، بل أخذتها إلى بيتها وعلمتها أن البقاء على قيد الحياة لا يعني بالضرورة أن تعيش وحيداً وقاسي القلب. عندما توفيت **أم أمين** قبل 18 شهراً، ورثت **فرح** هذا السر، وهذا الخوف… وهذا الوعد.
وزعت عليهم الشطائر والعصائر التي اشترتها نقداً كي لا يتبعها أحد. جلس الأطفال يأكلون فوق سجاد قديم مهترئ، ولساعتين كاملتين، بدا العالم أقل قسوة وظلماً. بعدها، فتحت **فرح** كتاباً مستعملاً وبدأت تقرأ لهم بصوت دافئ، وفجأة… شعرت بذات النظرة التي تلاحقها في البرج؛ شخص ما كان يراقبهم من العتمة.
أمسك **عمر** بماسورة حديدية صدئة ووقف يحمي الصغار بجسده. تحرك ظل طويل نحو ضوء المصباح الخافت، وظهر **طارق السيوفي** بشحمه ولحمه في وسط القبو. وللمرة الأولى في حياتها، رأت **فرح** الرجل الأكثر خطورة في البلاد… عاجزاً تماماً عن الكلام.
نظر **طارق** إلى الأطفال الستة، وإلى الفرش الممدودة على الأرض، الحقائب الممزقة، علب التونة، والأغطية النظيفة لكن البالية، ثم إلى الماسورة الحديدية التي كان **عمر** يمسك بها بيدين ترتجفان. لم يكن يبدو عليه الغضب، بل كان هناك ما هو أسوأ؛ بدا مصدوماً بحقيقة لم يكن يملكها ولم يستطع التحكم بها. وقفت **فرح** ببطء لتفصل بجسدها بينه وبين الأطفال وقالت: “أنزل هذه يا عمر، إنه لن يؤذيكم”.
لم يستجب **عمر**، بل ظل ينظر إلى **فرح** لا إلى **طارق**، منتظراً إشارتها الحقيقية. هذا التفصيل البسيط جرح كبرياء **طارق** أكثر من أي إهانة؛ فهو الرجل الذي يأمر أعتى الرجال، ومع ذلك، فإن هؤلاء الأطفال لا يطيعون سوى امرأة رُمم حذاؤها مرتين. قال **طارق** بصوت خفيض إنه يحتاج للتحدث معها في الخارج، لكن **فرح** رفضت. عندها أشار إلى الحارة، وإلى أنها منطقة نفوذ خصمه **كامل “الروسي”**، ملمحاً إلى أن العيون قد تكون تتبعت حركتها اليومية، وأن هؤلاء الأطفال قد يتحولون في أي لحظة إلى طُعم. أدركت **فرح** أنه لم يكن يهددها، بل كان يصف لها واقعاً شديد الخطورة. تركت **عمر** مسؤولاً عن بقية الصغار، وذكرته بخطة الطوارئ، ثم صعدت مع **طارق**.